قصة قصيرة
ليكن، لا يهمّني من أين أتى، ويبدو انه لا يهمه كذلك، من أين أتيت. كأننا رمشان، أعلى وأسفل لجفن عينٍ واحدة، قُدِّر لهما أن يلتصقا لبرهة، لكنهما أبدا لا يلتحمان.
هذه هي المرة الأولى التي تترك قلبها جانبًا، فلطالما كان قلبها دليلها الخائن، أو الفاشل، أو الغافل في معرفة الحب المناسب، في الزمان والمكان المناسبين.
لكنَّ المرة هذه ستكون علاقة مرتبة خارج الانتظارات المبوبة:
انتظار الصدفة، ثم انتظار التقارب والكلمة – المحرك- احبّك. هذه المرة عبارة: (انا مهتم باللقاء بك) تحرق كلَّ تلك المراحل المبوّبة. هكذا ببساطة، وسينتهي كلُّ شيء، بعبارة لطيفة، أكثر امتنانا (لا لوم ولا عتاب) كأن تكون: كان جميلا أن التقي بك. حفنة من جمال واهتمام معقول. بلا شروط أو مشارط القلب وتفاصيل الوله والغيرة والسهر والتوتر، نحو الاهتمام برجل بشروط آلية.
كان ضخم الجثة، يوحي برجولة واضحة، وجسد جائع لأنثى، أنثى جائعة لرجل. كل تدرّجات اللقاء كانت تسير حسب اتفاقية محددة، في هذه العلاقة خارج دوائر الغرام – مفهومة دون تناولها بنقاش ممل وطويل وذلك بـ:عدم التوتّر والانهيار إذا تأخر ساعة، عدم الانشراح كثيرا، إذا جاء للموعد قبل الوقت بساعة كدليل على تلهفه،عدم المحاسبة إذا كانت القبلة غير حارّة بما يكفي (كما يحدث بين العشاق عادة). تكفي قبلة قصيرة على الخد، بطريقة تنم عن شكر للثقة أكثر من رغبة في الحبيب. قد تكفي في الحالة هذه قبلة على الهواء الفاصل، في مساحة ضيقة بين الخدِّ والشفتين. لا نظرات عميقة …لا شيء مطلقاً. هتفت:
“ياااه ما أهدأ الحياة، هكذا، ولو لبرهة. فلن أكون هزيلة كعقارب الساعة بحيث أن كل حركة في الزمن تطلق (جكة) كمفاصل متهرئة، من الوقوف في محطات العمل والركض للبحث عن الذات.
رددت هكذا في سرها مرة ثانية: نعم سأكون هادئة أكثر، هكذا.
نظر إليها نظرة واحدة، وهو يرحّب بها – ليس برقة – بل بلطف مناسب اقرب إلى استقبال موظف، في دائرة لوفد محترم – فكرت بكلمة محترم قليلا – إن كانت حقا ستحفظ احترامها لذاتها في هذه العلاقة العابرة ؟؟
يعتذر بدون تكلف، أو أسف واضح، عن تأخره بسبب الزحام الشديد. تقبلت اعتذاره بهدوء وابتسامة حقيقية، لأنها ترى بان كل شي يسري بانسيابية اتفاق ضمني، دونما إفصاح معلن.
كانا يبدوان كملاكمين أصابهم الإنهاك من عجلة كانت تدور بهم، وكادت أن توصلهم للجنون. إنها استراحة المحاربين القدامى، حين يصلون إلى قناعة تامة بأن القتال في كل قصة حب – لإنقاذها و شحنها أو ترميمها حسب مقاسات تعجيزية – مجرد هدر للسلام .
حسنا، الخطوة الثانية، قبلة بسيطة على الشفاه، كعرفان بانْ لا خيبة أمل. أي لن يكون هناك انجراف في المشاعر، وانَّ كل شيء على ما يرام، الخطة ـ وليس للقلب شأن بتلك القبلة.
انهمك في قيادة السيارة بتركيز، كجزء من متطلبات السلامة، مبتسما لمرتين لا أكثر، وهو ينظر إليها مردداً في الأولى: “إذا، ها نحن”
وفي المرة الثانية: “مرحبا بكِ”
مبدياً سعادته، في انَّ يجد الطرف الآخر، مستوعبا تماما، تفاصيل هذه الرحلة المنفردة المجردة.
فتحا باب الغرفة، كان يبدو واثقاً، بل طاغياً بحضوره. كان نبيلاً حين طلب منها بلطف أن ترى المكان، وليكن لها قرار البقاء، او اختيار مكان آخر. أومأت بآلية: “لا بأس جيد”.
ولم تكن حقا مهتمة للتفاصيل الدقيقة، للمكان فقد سبق وأن بعث لها صور المكان.
سألت، إنْ كان هناك إبريق للشاي، أو طبّاخ صغير أو ثلاجة حتى.
قال لا – المُكيّف فقط ما يلزمنا.
أومأت بلا أبالية: نعم، صحيح، فكرت، وهل أفكر بالطبخ أو تخزين الثلاجة بالمأكولات، مثلا. وكأنني أفكر بالبقاء طويلا- شعرت بارتباكها من سؤالها الذي وجدته غبيا بجوابه المناسب.
فكرت- لا تهمُّ التفاصيل الرومانسية، أو جلسات الشاي ، مع حديث عميق، فكل شيء تريده سطحيا قيد توثيق العلاقة المطرية هذه.
لم تلحظ ساعة على الجدار، أضافت في سرها “هذا يفي بالمرام أيضا، كي لا تقع عيني على الوقت، حين نبدأ تجربة إثارة الحياة في المفاصل. ولكي لا يذكّرني الزمن بما يحدث هنا، وكما قال هو، بعد يومين، سأنسى كل ما يجري هنا. رددت: بعد يومين سأنسى كل ما يجري هنا.
ما أسهل الحياة هكذا، ما أهدأ رأسي حقا. كلما أرادت التعمق أكثر في عينيه الكبيرتين، نفطيتي اللون، والمثيرتين فعلا، والمليئتين بتواريخ عابرة، لها في حياته. تحركت عجلة قلبها، وأصدرت نبرة خافتة لعاشقة. فأوقفتها بصمود وثبات، على مبدأ الّلا انتماء لهذا الرجل، وهو أيضاً، كان على نفس نهجها، أكثر ثباتا، ويزداد احتراما لها(لا عشقا) كلما تأكد أنها معه، تشكلت تلك الثنائية الهاربة، خارج المكان والزمان، أو خارج وجودهما الواقعي .
استمتع بلحظته كما لم يستمتع من قبل، فقد وهبت نفسها له وتقبلت عطاءه الكامل، دون أن تكون قلقة من الخيبة. لأنَّ الخيبة قدرُ القلوب، أكثر مما تكون قدر الأجساد المتوثبة للبدء من جديد.
قبل ان يفتح الباب للخروج، أعطاها قبلة، تشبه قبلة العرفان الأولى. استسلمت لقبلته، دون امتنان أو صدٍّ. دون صداع ولا صدع في الوداع.


