غزّة حررت الناس من الأوهام

0
24

حريّة على طريقة أخرى

كنا قلقين في فترة من الزمن عن الطريقة التي يمكن أن نشرح فيها مظلومية الشعب الفلسطيني وأحقية قضيته للجيل الجديد في ظل تنامي دعايات التطبيع والترويج له على المدى الواسع، إلا أن الحرب على غزّة ووحشية الإحتلال التي فاقت التصور ولا أخلاقياته تكفلت بكشف حقيقة الأمر للجيل الجديد والعالم بأسره عن بشاعة الإحتلال وسقوط سرديته الخرافية في مقابل السردية الفلسطينية العريقة. نمرُّ في الوقت الراهن بمرحلة مفصلية على مستوى الوعي بحقيقة ما حدث على الشعب الفلسطيني، حيث يحاول الجيل الجديد تقديم أي شيء من أجل نصرة الشعب الفلسطيني وإيصال صوته للعالم وهو يبرع في استخدام أدوات التواصل والتكنولوجيا الحديثة. هذا الوعي على مستوى الأجيال الحديثة بالقضية الفلسطينية والإلتفاف حولها غير مسبوق.

بتنا ندرك أن جيل اليوم يمتلك وعياً مناسباً للظرف الراهن عن حقيقة القوى الإمبريالية ونظامها الرأسمالي النفعي القائم على أسس المنفعة الإقتصادية وعلى نظرية السوق الحرة التي تغرق العالم بشتى صنوف السلع الإستهلاكية النافعة والضارة وعرقلة الصناعات المحلية للدول النامية ومحاربة اقتصاداتها، وذلك بغرض السيطرة على الصناعة والإقتصاد العالمي وفرض تلك القيَم على شعوب العالم لجعلهم شعوباً تعتاش على الإستهلاك المفرط لكل المنتوجات التي تأتي من الأنظمة الرأسمالية بشتى الطرق والوسائل منها التفنن في الدعاية والترويج المغري، من باب الغاية تبررالوسيلة!

“غزّة حررتنا”!. كُثر هم الذين يرددون هذه العبارة، في ظل القصف الجنوني على القطاع وبسالة أهلها ومقاومتها، حيث انتشر وعي من نوع مختلف أثرّ في الكثيرين، غزّة لم تحررنا من سطوة الاستهلاك المفرط وتهافت فكرة التطبيع إنما حررت الكثيرين حول العالم من الشرق إلى الغرب، بل وحتى في قعر الرأسمالية نسمع ونرى من يقولون إن غزّة حررتهم وأشعلت فيهم النزعة الإنسانية من جديد بعد أن خبا هذا الحس بفعل الفردانية الزائدة والتي هي نتاج الثقافة الرأسمالية أيضاً.

 الكثير من هذه الشعوب اليوم باتت تحفظ السردية الفلسطينية ولايخشى التعبير عن آرائها رغم التضييق والتهديد، وتعبرو بصراحة عن عدم ثقتها بإعلامهم ومايبثه من تضليل. نسمع عن حملات ينظمها شباب في أمريكا تنادي بعدم دفع الضرائب لأن هذه الضرائب تمول  حروب الإبادة التي تقوم بها إسرائيل وأمريكا، وعدم دفع الضرائب قد يؤدي إلى مشاكل كبيرة على مستوى الإقتصاد الأمريكي القومي، وبالتالي قد تحد من دعمها لإسرائيل. تبرز اليوم في أمريكا وأوروبا تنظيمات أهلية ووطنية تطالب بمقاطعة الشركات الكبرى الداعمة لإسرائيل أو االتي تموّل حربها مادياً أو لوجستياً، وبدأت فعلاً حملات المقاطعة ولها نتائج مهمة، من أهمها أن هذه الشركات وغيرها صارت تعلم أن من يدعم الكيان الغاصب سراً أو علناً مكشوف وغير مرحب به على مستوى شعوب العالم.

أما عن شعوبنا في المنطقة فهي أيضاً بدأت منذ الأيام الأولى للحرب تكشف الشركات الداعمة لإسرائيل وتقاطعها، وبدأوا بالفعل يبحثون عن بدائل عن تلك المنتجات ومنهم من توصل الى قناعة بترك العادات القديمة التي كانت متبعة قبل الحرب على غزّة وبالتالي ترك الاعتماد الكلي على الكثير من المنتوجات الأمريكية التي في غالبها غير صحي. لكن ماذا عن كبار التجار والمستثمرين هل أنهم حريصون على قطع العلاقات التجارية أو تقليل الإعتماد عليها إلى الحد الأدنى والبحث عن بدائل وأفكار جديدة، أم أن الوضع لايزال طبيعياً عندهم أو الإكتفاء بالتباكي والإستعطاف؟!

من الملاحظ أن التجار وأصحاب الوكالات والعلامات التجارية التي تمت مقاطعتها بدأوا – مؤخراً – بإدراك ضرورة البحث عن بدائل، غير أن البعض بدلاً من ذلك راح يستعطف الناس ويبث لهم شكواه من تأكد تعرضه للخسارة، والبعض الآخر صار يعزف على وتر الإنسانية وعن احتمالية خسارة الموظفين لوظائفهم. فعلاً هذا أمر محزن حقيقةً ولابد من وجود حل. لو لاحظنا أن معظم التجار المتباكين على أنفسهم وعلى الموظفين – هذا إن كانوا فعلاً حريصين على مصلحة الموظف – يمتلكون مشاريع أخرى بإمكانهم أن يوظفوها أو أن يبتكروا بدائل أو أن يساهموا على الأقل في دعم المنتج المحلي والمؤسسات الكثيرة التي تحتاج الى مستثمرين حقيقيين والفائدة ستكون للطرفين وللمستهلك أيضاً إذا قُدم المنتج بأسعار متاحة للجميح دون تخصيصه لفئة أو طبقة استهلاكية خاصة. أما أن  تجلس وتتباكى على “البراند” الداعم للكيان المحتل الذي جلبته والذي تروِّج له فإن ذلك التباكي لن يؤدي بك الى نتيجة تذكر، وانك ربما عن طريق الخطأ وظفت أموالك في شركات تدعم الإبادة الجماعية الحادثة في غزّة، كفكف دموعك فالفرصة لاتزال متاحة لأن ترفع يدك عن تمويل قتلَة الأطفال وابحث عن تجارة أخرى فالباب مفتوح والأفكار كثيرة وأموالك ليست قليلة، ثم عليك أن تدعم الموظفين الذين تضرروا.

تعمل القوى المهيمنة اقتصادياً على احتكار السوق وإغراقه بمنتجاتها وعدم السماح لغيرها بالإستقلال الصناعي والتجاري، وأن عدم امتلاكنا لمنتوجات محلية كافية لتلبية حاجات السوق ربما يكون سببه أيضاً أننا اعتدنا على استهلاك الكثير من المنتوجات التي تأتينا من الخارج بفعل الدعاية مرةً، وجودة بعض المنتجاة مرةً أخرى، لذلك قد نجد صعوبة في مقاطعة كل المنتجات لعدم وجود بدائل  لها لكن المقاطعة حرية على طريقة أخرى ومعارضة ورفض، فهي تُمارَس بقدر الإمكان وأن أحد أبرز نتائجها الحَد من فرط الإستهلاك والوعي قبل الشراء والدفع، والوعي بالمصلحة الشخصية والمصلحة العامة. أنت مهم ومقاطعتك حتماً مؤثرة حتى وإن كان تأثيرها يقتصرعلى ذاتك في سبيل تحريرها وسمّوها، وهذه أعلى مستويات المقاطعة، يرى أقطاب التصوف أن الزهد مرحلة مهمة من مراحل سمّو النفس ومعارضة واحتجاج غير مباشر على سلوك الترف الذي يتميز به الأثرياء، والزهد بمعنى التخلي عن الكثير والرضا بالقليل المتاح هوالمقاطعة وهو مقاومة ومعارضة للظلم والإستبداد العالمي.