صبرٌ عظيم على قدر أهل العزم

0
25

صبرٌ عظيم على قدر أهل العزم، الألم شديد والفقد كبير والفرحة عارمة، كيف يمكن لأحدٍ أن يحتمل كل هذه التناقضات، إنه شعب غزّة. نعم توقفت الإبادة رغم أنف المجرمين وبشروط أصحاب الحق الذين صمدوا وواجهوا بكل مافي الكلمة من معنى. انكسرت هستيريا الشرّ والتواطؤ العالمي الذي أرادَ أن يكسر إرادة غزّة الشعب والمقاومة.

نتذكر الآن نحن البعيدون جغرافياً عن غزّة، القريبون منها أخوّةً وعروبة وإسلاماً ومشاعر، عايشنا الإبادة لحظة بلحظة وكان لها الأثر الكبير على حالاتنا النفسية التي اختلط فيها الحزن والفرح والفخر والتأييد واليأس والأمل، لا أستطيع أن أصف الإرتياح الذي غمرني لحظة إعلان وقف الإبادة، كأن جبلاً من الهم الكامن بدأ يتداعى نحو الإنزياح، لله الحمد.

غريبٌ هذا التاريخ ما أصله! قالوا: إنه يسير وفقط خط مستقيم لا ينظر للوراء، وقالوا: إنه لولبي يدورُ صعوداً أو هبوطاً، وآخرون قالوا: إنه يسير بشكل دائري أحداثه متكررة، وجدلية صورية وأخرى مادية. شهد أجدادنا زمن النكبة والتطهير العرقي في فلسطين، وشهد أباؤنا زمن النكسة عام 1967 وحرب الإستنزاف في بداية السبيعينات، وما تلى ذلك من أحداث مصيرية، وشهدنا نحن أكبر إبادة جماعية في التاريخ لحظة بلحظة بكل بشاعتها، والفيصل في كل تلك الأحداث أن الشعب هو الشعب وأن عنفوانه متصاعد، مثل الذهب الخالص كلما صقلَتهُ المصاعب والفظائع التي تمارسها قوى الشر العالمية كلما زاد لمعاناً وبريقاً.

“حقيقةً يعرفها من عاصر توالي تلك الإمبراطوريات على فلسطين، أن عمْرَ الرجال أطول من عمرِ الدول.”، كما يقول ابراهيم نصرالله.

شيء كنا نؤمن به ورسّخه السابع من أكتوبر المجيد ترسيخاً، مفاده: أن الشعوب لاتموت والمقاومة فكرة لا يمكن أن تمحى ما دام الإحتلال والظلم موجودان. إنها الحتميّة التي تتولد من نقيضها. هنا انكفأ زحف المغول في عين جالوت، هنا تكسرت الحملات الصليبية على أسوار صُور وعكا وعسقلان، هنا اندحرت الإبادة وجحافل الشياطين على شريط غزة وجنوب نهر الليطاني.

السلام على السيد الشهيد الذي بذل نفسه دون شعبِهِ و فداءً لغزة، السلام على القائد الجهادي الذي رمى بالعصا ولم يكن في اليد غيرُها واستشهد بثبات أشجار الزيتون، السلام على الشهداء الذين جادوا بأنفسهم منهم من استشهد في طهران ومنهم من استشهد في بيروت ودمشق واليمن، السلام على الجرحى، السلام على المقطوعة أطرافهم، السلام على المرضى، السلام على الذين فقدوا أعينهم وأصابعهم، السلام عليكم جميعاً يا أهل غزّة ويا أهل الجنوب، ميتكم وحيكم، ملثمكم، مدنيّكم، طبيبكم، نساؤكم ورجالكم، أطفالكم وصبيانكم وشيوخكم ورحمة الله وبركاته. كان الله في عونكم على كل هذا الفقد العظيم… فالله ما أعطى، ولله ما أخذ.

برغم قلة العدد والعتاد يدرك المناضل الفدائي أنه ربما لن يستيطع تغيير العالم، ولكنه متأكد من أنه لن يسمح لقوى الشر العالمي أن تبدّله وتستولي عليه لأنه صاحب حق وحقيقة. ذُكِرَ عن الشاعر السموْءَل وهو شاعر عربي – يهودي بالمناسبة- واسمه معرّب من صموئيل أو شموئيل وهو من أولى طبقات شعراء العصر الجاهلي قوله في لاميته المشهورة التي تتحدث عن فضيلة الشاجعة والصبر رغم قلة العدد وهو مايمكن أن ينطبق على أهل غزة في ثباتهم وقلة عددهم وصغر المساحة الجغرافية وشح الموارد…الخ إلا أنها صنعت نصراً وثباتاً رغم كل شيء، يقول:

تُعيِّرُنا أنّا قليلٌ عديدُنا

فقلتُ لها إنّ الكِرامَ قليلُ

وما قَلَّ من كانت بقاياه مثلُنا

شبابٌ تسامى للعُلى وكُهولُ

وماضرّنا أنّا قليلٌ، وجارُنا

عزيزٌ، وجارُ الأكثرينَ ذليلُ

صفَوْنا فلم نكدَر وأخلصَ سِرُّنا

إناثٌ أطابَت حِملنا وفحولُ

وننكر إن شِئنا على الناس قولهم

ولا ينكرونَ القولَ حينَ نقولُ

إذا سيدٌ مِنّا خَلا قامَ سيّدُ

قَؤولٌ لِما قالَ الكرامُ فعولُ

وما اُخمِدَت نارٌ لنا دونَ طارقٍ

ولا ذَمّنا في النازلينَ نزيلُ

سلي إن جَهِلتِ الناس عنّا وعنهمُ

فليْس سَواءً عالِمٌ وجهولُ