المآلات الكارثية لثورات الربيع العربي

0
171

الانتفاضات العربية التي اندلعت في عام 2011، أو ما عُرفت في ذلك الوقت بثورات الربيع العربي، كانت تهدف في بداياتها إلى تحقيق تغييرات جذرية تتمثل في إنهاء حكم الاستبداد وقمع الحريات ومواجهة تفشي البطالة، مقابل إحلال الديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية. إلا أن هذه الانتفاضات انحرفت عن مسارها الأصلي، تاركة وراءها نتائج سلبية بل وكارثية في العديد من الدول العربية.

أدت الانتفاضات الشعبية إلى الإطاحة بأربعة حكّام عرب في تونس ومصر وليبيا واليمن، وبدا للحظة أن الديمقراطية قد وصلت أخيرًا إلى العالم العربي. لكن بعد مرور أكثر من عقد من الزمن، لم يعد أحد يحتفل بهذه الثورات، أو ربما يتم ذلك بشكل خجول. السبب يكمن في الأحلام المحطمة للجماهير العربية، نتيجة لما آلت إليه هذه الانتفاضات.

في سوريا، تحوّلت الاحتجاجات السلمية إلى حرب أهلية دامية، أسفرت عن مقتل مئات الآلاف وتشريد ملايين السوريين. وبسبب التدخلات الخارجية، أصبحت سوريا ساحة لصراعات إقليمية ودولية، حيث تدخلت قوات من إيران وروسيا وحزب الله لدعم النظام، في مقابل دعم دول أخرى للمعارضة، تتقدمها تركيا وقطر والولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية. ونتيجة لذلك، دُمرت المدن والبنية التحتية بشكل كبير، مما أدى إلى انهيار الاقتصاد وتردي الخدمات العامة، وانقسام المجتمع على أسس طائفية وعرقية، مما زاد من تعقيد الأزمة. وبعد الإطاحة بحكم البعث الذي سفك دماء السوريين، جاء حكم الجماعات الإسلامية المتطرفة التي لم تؤمن يومًا بالديمقراطية والتعددية واحترام الأقليات وحقوق الإنسان.

في ليبيا، وبعد الإطاحة بمعمر القذافي، انهارت مؤسسات الدولة، وتحوّلت ليبيا إلى ساحة صراع بين قبائل ومليشيات مسلحة متنافسة، تستقوي بعضها ببعض عبر الاستعانة بأطراف خارجية لديها مصالح وأطماع. ونتيجة لذلك، ساد الانقسام السياسي بين الليبيين، وفشلت الحكومات المتعاقبة في بناء دولة موحدة وقوية تحقق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مما أدى إلى انتشار الفوضى وانعدام الأمن.

أما في اليمن، فقد تحوّلت الاحتجاجات إلى حرب أهلية معقدة، مع تدخل تحالف عسكري بقيادة السعودية ضد الحوثيين المدعومين من إيران. ونتيجة لذلك، دخل اليمن في أسوأ أزمة إنسانية في العالم، حيث انتشرت المجاعة والأمراض ونقص الخدمات الأساسية، كما تشير تقارير الأمم المتحدة ومنظماتها. كما انهار الاقتصاد اليمني بشكل كامل، مما أدى إلى تفاقم معاناة السكان وتقسيم البلاد بين القبائل والجماعات المتصارعة على السلطة.

في مصر، شهدت البلاد فترة من عدم الاستقرار بعد الإطاحة بحسني مبارك، مع صعود وسقوط جماعة الإخوان المسلمين وعودة النظام العسكري، مع تقييد الحريات السياسية والإعلامية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للمصريين.

أما في تونس، وعلى الرغم من نجاحها في تحقيق انتقال ديمقراطي نسبي، إلا أن الإصلاحات السياسية تراجعت مع استفراد الرئيس التونسي بالسلطات وقمعه للحريات وضربه للأحزاب السياسية في البلاد. ونتيجة لذلك، دخلت تونس في أزمات اقتصادية متكررة، مع ارتفاع معدلات البطالة والتضخم.

رغم أن ثورات الربيع العربي بدأت بمطالب مشروعة بالحرية والعدالة، إلا أن النتائج في العديد من الدول كانت كارثية، حيث أدت إلى حروب أهلية وانهيار دول وأزمات إنسانية وسياسية واقتصادية. هذه النتائج تُذكّر بأهمية الإصلاحات المدروسة والحلول السياسية الشاملة لتجنب الفوضى والعنف.

فهل يعود الفشل في إقامة الدولة المدنية الديمقراطية بعد الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية إلى تخبطات العامل الداخلي، أم إلى مؤامرات العامل الخارجي؟ أم إلى كلا العاملين معًا؟

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا