الميزانية العامة وأشياء أخرى

0
50

للحديث بشكل مختصر عن أهمية دراسة الميزانية العامة للدولة ومتابعة الحكومة والبرلمان للواقع الاقتصادي والمعيشي، والتي تُعرض على السلطة التشريعية بمجلسيها لإقرارها، حيث يسبقها مع بداية كل فصل تشريعي مناقشة وإقرار برنامج الحكومة  والتوافق حوله مع الحكومة، ومدة الفصل التشريعي أربع سنوات،  أي عمر  ميزانيتين كاملتين، ما يتطلب منا أولاً معرفة حجم وجسامة التحديات والمصاعب التي تواجهنا كمجتمع وكدولة لمقاربتها قدر الإمكان بامكانياتنا ومواردنا المتاحة، بالإضافة إلى كون مشروع الميزانية العامة هو أهم مشروع  سياسي واقتصادي يمكن أن يناقشه البرلمان، نظراً لطبيعة انعكاساته الاجتماعية والمعيشية والاقتصادية وحتى الأمنية على المجتمع والدولة، حيث يتجه المجتمع بأسره تقريباً، وبعيداً عن رأينا المسبق ومدى ثقتنا في جدية وقدرات كل من الحكومة والبرلمان في إنجاز المهمة بما يرضي السواد الأعظم من المعنيين.

 هنا تكون للحكومة تطلعاتها المعلنة وغير المعلنة أحياناً كثيرة، كما يكون  لمجلس النواب كجزء رئيس من السلطة التشريعية تطلعاته المعلنة وغير المعلنة أحياناً، أخذاّ في الاعتبار أجندات  وتوجهات بعض ممثلي الشعب التي يغلب عليها في مثل أوضاعنا طابع المناطقية ولا تخلو أحياناً كثيرة من طابعها الشعبوي الذي قد لا يكون، في بعض الحالات، مبنياً على أرضية راسخة من السعي لتحقيق المصلحة الشاملة المفترضة، وباعتبار أن بعض ممثلي الشعب ربما يتناسون أحيانا أنهم ممثلون للشعب وليسوا لمناطقهم أو دوائرهم فحسب.  

يحدث هذا في ظلّ برلمانات لا تأخذ صفة الحزبية والتكتلات والتحالفات على محمل الجد، أو لضعف مزمن في الحراك الحزبي والسياسي نظراً لأسباب متعددة، نحو تحقيق مصالح  مشتركة للناس بغضّ النظر عن مناطقهم الموزعة بشكل جغرافي ليس لأحد من الناس التدخل في طبيعته، وليس بالضرورة أن تتماهى المطالب النيابية الخدماتية فيه،  كالحاجة لمزيدٍ من المدارس والمستشفيات والشوارع الحديثة والمدن الجديدة وربما الحدائق والمماشي ودور العبادة وغيرها، يُضاف إلى ذلك حجم المطالب الشعبية لمشاريع إسكانية جديدة تستوعب حجم الطلبات الإسكانية المتزايدة  نظراً للكثافة السكانية هنا وهناك،  وكذلك هو الحال مع أولوية إيجاد وظائف للعاطلين عن العمل بين منطقة وأخرى  او حتى مستويات الفقر والغنى وهكذا..

هنا تتباين التوجهات والرؤى لدى النواب الذين يسمون عادة  بالمستقلين،  فهؤلاء يسعون في الغالب لكسب ود ورضا أبناء دوائرهم، بعكس ما يفترض أن يكون عليه الوضع لو أن هناك أجندات حزبية وتكتلات تلتئم وتتقاطع على أسس واضحة من المطالب الشعبية والمشتركات لتحقيق غايات أكبر على مستوى الوطن بعيداً عن تكثيف الحالة المناطقية التي من شأنها إضاعة وقت مجلس النواب وممثلي الشعب  وإرهاق الحكومة ذاتها بالكثير من المطالب التي عادة تكون متعذرة ، خاصةً في ظل شحّ الميزانيات وفي زمن التراجعات المالية والاقتصادية.

لذلك نقول إن دراسة الميزانية العامة لا يجب أن تبتسر أو تقلص، كما هو حاصل لدينا في مطالب يضطر النواب لإجرائها كنوعٍ من الترقيعات العابرة والسريعة تجاوباً مع حاجات ملحة فرضتها إما الظروف الاقتصادية الضاغطة على المواطنين أو لسوء إدارة الحكومة لملفات محددة كملف الإسكان أو المالية العامة للدولة أو توزيع الوحدات الإسكانية غير العادل أو  ازدياد معدلات البطالة في مناطق جغرافية محددة دون غيرها، نتيجة لإهمال وتراكمات مزمنة تسببت فيها سياسات خاطئة، أو حتى نتيجة  لقرارات وزارية وحكومية غير مدروسة أنتجت ربما حجماً مهولاً من الخريجين في تخصصات علمية وأكاديمية غير مطلوبة في سوق العمل مما خلق بطالة مزمنة يصعب إيجاد حلول سريعة لها، أو  نتيجة لسياسات غير سوية لسوق العمل كالتخصيص غير الممنهج أو لجهل وعدم وعي بطبيعة احتياجات السوق ذاته، مما أفرز واقعاً مشوّهاً فاقم كثيراً من أزمة البطالة نتيجة تغوّل العمالة الوافدة وغياب تخصصات محددة  أو انعدام مهارات ومهن وفنيين نتيجة لفقر وإهمال التعليم الصناعي في البلد، مما سهل لاستقدام عمالة اجنبية ليست بالضرورة ماهرة، بل لسدّ الفراغ القائم..وبالتالي نزيد من تشوهات سوق عملنا من جهة ونضاعف من نسب البطالة وحالات القنوط واليأس والاكتئاب ومعدلات الجريمة، وانتشار الفقر والمخدرات واكتظاظ السجون، وفي أحيان كثيرة تبقى تلك الحالة مزمنة ومستعصية على الحل مما يُضيّع على المجتمع كفاءات وفرص وإنتاجية نحن في أمسّ الحاجة إليها.

 أمر آخر نتابعه باستمرار في نظرتنا العامة غير الحصيفة لمشروع الميزانية العامة للدولة، عبر التركيز بشكلٍ غير  مدروس على جوانب تحقق مكتسبات وقتية دون معرفتنا بمصادر تمويل تلك المكتسبات، والتي ربما تعود أحيانا بالسلب على بعض من أولوياتنا الوطنية أو حتى على واقعنا الاقتصادي وتضخم مديونياتنا العامة نتيجة برامج هي عبارة عن مضيعة للوقت والجهود، أو تعطل برامج إسكانية وتعليمية وصحية وتنموية، حيث تتداخل الأولويات وتتعارض بين الحكومة وممثلي الشعب وذلك كله بسبب غياب وعدم وجود الرؤية الواضح المعالم أمام الجميع.  

 ولمقاربة ذلك دعونا نقول إن أولوية الوظائف ونوعيتها للبحرينيين  وزيادة الأجور لهم وضعت كأحد ركائز  رؤية البحرين 2030، تلك الرؤية التي طرحت على الورق منذ أكتوبر 2008، فأين نحن من كل ذلك ؟! وكم ميزانية عامة مررت منذ ذلك التاريخ حتى الآن؟، كذلك هو موضوع تقليص الدين العام وتقليص خدمة الدين كما يقال ذلك في كل محفل رسمي وغير رسمي، للعلم أنا شخصياً غادرت قاعة البرلمان في عام 2006  وكان حجم الدين العام لا يتجاوز  1.5 مليار دينار بحريني وعدت إليه في عام 2018 وحجم المديونية العامة المعلنة  لا يقل عن 16مليار دينار بحريني وها أنا أتابع الآن حجم المديونية الذي سيتجاوز قريبا ال 20 مليار دينار بحريني!! ترى أين نجحت الرؤية وأين أخفقت؟!

 إذاً دعونا نتساءل أين يكمن الخلل ولماذا نستمر في كل هذا التخبط دون أدنى مراجعة لتلك الأخطاء المميتة، ونحن نتابع تراجعات مخيفة لا تصمد معها تلك الأرقام الدعائية المعلنة بين فترة وأخرى؟!

هذا الوضع المتراجع أوصلنا لمزيدٍ من التخبط  على المستوى الوطني والمعيشي والتنموي، لأننا ببساطة اعتقدنا بل صدّقنا أن أوضاعنا مثالية، واكتفينا برفع شعارات واهمة لا تنظر بعيداً ليتكرس  لدينا جميعا واقعاً صعب  نبحث في جنباته عن حلول هي أقرب للترقيعات التي لا مفر منها بكل أسف!

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا