يبدو أننا سنجد أنفسنا مضطرين، من بعد، الى التأكيد على البديهيات. هذا ما نشعر به عند الحديث عن الميزانية العامة الجديدة للدولة 2025 – 2026، بعيداً عن الاعتبارات النظرية التى لا مستقبل لها، فالميزانية التى باتت موضع نقاش بين الحكومة والسلطة التشريعية تضمنت 12 مبادرة أعلنت عنها الحكومة تحت عنوان “التوازن المالى”، هدفها التعافى الاقتصادى، وتحقيق فائض فى الميزانية، وقيل الكثير من الكلام الجميل تحت عناوين مختلفة، ووجدنا من بشّرنا أنه بهذه المبادرات سيتم تحقيق فائض بمبلغ يصل 5 ملايين دينار نهاية السنة الحالية و25 مليون دينار بنهاية السنة القادمة عوضاً ديّن عام بلغ رصيده 17.9 مليار دينار، وفوائد مترتبة عليه بلغت 843 مليون دينار على ذمّة البيانات الخاصة بالحساب الختامي للدولة للسنة المالية المنتهية فى 31 ديسمبر 2023.
نتوقف عندما أُطلق عليه بالمبادرات التى أثارت الكثير من الهواجس وبواعث القلق خاصة فى أوساط ذوي الدخل “المهدود”، وبدأنا نقرأ عن سلسلة من الاجتماعات التى ستتوالى بين وفد حكومى والسلطة التشريعية لمعاينة مضمون تلك المبادرات والاتفاق عليها ومن ثم تمريرها وإقرارها لتنتقل إلى واقع ملموس فى الحياة اليومية للمواطنين، ومن المبكر، حتى الآن على الأقل، التوقع ما ستؤول إليه هذه الاجتماعات من توافقات، ولكن من الواضح أن السجال الدائر حالياً حول الميزانية يقترن بكثير من التساؤلات والهواجس التى لم تتوقف حول تفاصيل تلك المبادرات والتوجهات التى يجرى النقاش العام حولها، خاصة وأنه لا يغيب عن البال أنه قد تكون هناك عناصر غامضة مخبأة فى التفاصيل، وحقاً قيل إن الشيطان يكمن فى التفاصيل.
ليس من المبالغة القول إن السجال الدائر حول المبادرات يدق نواقيس إنذار مبكر، خاصة أمام تلميحات من مسؤولين وأكثر من نائب مع الأسف تشير إلى أنه لا مفرّ من إقرار هذه المبادرات، وهناك من قال بما معناه “إن اي تراخٍ فى تبنى هذه المبادرات من شأنه أن يعرض جهود التنقية المالية التى تبذل والمشاريع والسياسات الهادفة لمواجهة التحديات الكبيرة والتغلب عليها للضعف وعدم تحقيقها للأهداف المنشودة”.
وبالرغم مما نشر فى العاشر من مارس 2025 من نتائج اجتماع السلطتين التنفيذية والتشريعية للتشاور حول موضوع الميزانية وإعلان تأكيدات الفريق الحكومي على ما ستحققه المبادرات من نتائج إيجابية على وضع الميزانية والاقتصاد وأفراد المجتمع ومن ثم مصلحة الوطن والمواطن، وذلك من خلال “الحفاظ على النمو الاقتصادى الإيجابي بالتوازى مع تحقيق مستهدفات الاستدامة المالية، لضمان تعزيز مسيرة التنمية والتطوير واستمرارية خلق الفرص امام المواطنين، ورفع كفاءة الدعم لمستحقيه من المواطنين”، وبالرغم من استعراض جملة من الأولويات والمشاريع الخاصة بالوزارات والإدارات الحكومية المقترح إدراجها فى الميزانية، تظل الهواجس والمخاوف قائمة وفى عقول الناس الكثير من الحيرة والتساؤلات، بل وجدنا من يحذر من إقرار تلك المبادرات ومن سياسات مالية واقتصادية غير واقعية مرتقبة، وهنا يمكن الاكتفاء كمثال إلى موقف الجمعيات السياسية فى بيانها المشترك، ومن ضمنها المنبر التقدمى الذى عبرت فيه عن الرفض القاطع لكل ما يستهدف تحقيق فائض فى الميزانية، والاستدامة المالية إذا كانت ستزيد من الأعباء المالية على المواطنين ومن جيوبهم الضعيفة، وهو نهج أكدت هذه الجمعيات على انه “لا يمكن قبوله لكونه يعكس تغييب للعدالة الاجتماعية، ويثقل كاهل المواطن الذى يعاني أصلاً من أعباء الحياة اليومية، وأن التركيز على زيادة الرسوم والضرائب ورفع الأسعار هو بمثابة ضربة قاسية لاستقرار المواطن اقتصادياً واجتماعياً مما يفاقم الأزمات، ويُعقّد الأوضاع ويزيد من معاناة الشعب”. إنه تحذير فى محله خاصة فى ظل مصاعب موروثة دقيقة وصعبة داخلية وخارجية، وفى ضوء ما أوردته مؤخراً وكالة “فيتش” للتصنيف الإئتماني من تخفيض نظرتها المستقبلية للبحرين من مستقر إلى سلبية بسبب العجز الواسع المستمر فى ظل عبء الديون العالمية وفوائدها وفجوات الميزانية، هذه الديون التى تزيد نسبتها إلى الناتج المحلى الإجمالي عن الضعف ومن المتوقع أن ترتفع إلى 130% فى عام 2024، وهو تصنيف لم نجد مسؤولاً أو محللاً أو اقتصادياً فى اي جهة رسمية يتناوله او يشرح تفاصيله وأبعاده ..!
ان البنود المطروحة للمبادرات المذكورة وفقاً للمتداول تركز على زيادة الرسوم والضرائب، وتقليل الدعم وإن كان ذلك تحت مسميات وأهداف مراوغة، والمقترحات الاثنا عشر التى قدّمتها الحكومة إلى السلطة التشريعية والتى يُزعم أنها ستحقق التوازن المالى المنشود، وهى تتمثل فى رفع كفاءة المصروفات العامة، وتعديل سعر الغاز الطبيعي على الشركات والمصانع، تحرير أسعار الوقود والكهرباء والماء مع استمرار دعم المواطنين، استحداث رسوم على الانبعاثات الكربونية، فرض إيرادات على أرباح الشركات المحلية، زيادة إيرادات القيمة المضافة، زيادة الإيرادات الإنتقائية على الأغذية غير الصحية، وزيادة الإيرادات الانتقائية الحالية، استحداث رسوم لاستدامة البنية التحتية، تطبيق الضمان الصحي مع استحداث رسم التأمين الصحي للأجانب، فرض رسوم على الصرف الصحي دون المساس بالمسكن الأول للمواطنين، تنفيذ حزمة من مبادرات تنمية الإيرادات وانخفاض مصروفات فوائد الدين العام ” ..! ، وهذا يعنى أن الحلول المطروحة من قبل الحكومة ترتكز على استحداث رسوم جديدة، وإعادة النظر فى الرسوم الحالية على خدمات مدعومة حالياً واهمها خدمات الكهرباء والماء.
وعلينا أن نتوقف أمام تصريح نشر لمصدر حكومى يؤكد على وجوب التوافق على تلك المبادرات، وكأنه يلمح إلى أنه ليس هناك خيارات أخرى لتحقيق فائض فى الميزانية لتقليل العجوزات والاحتياجات التمويلية وتفادى المخاطر المالية والنقدية، ولا ينسى ذلك المصدر التأكيد على معزوفة أن الهدف من كل المبادرات المطروحة هو رفع المستوى المعيشى للمواطن والأجيال القادمة، وهو تأكيد أثار الكثير من التساؤلات المصحوبة بعلامات تعجب كونه يتعالى على نتائج لا مفرّ منها بسبب تلك المبادرات، وكلّها تؤدى إلى إنهاك المواطن بشكل غير مسبوق دون أي إشارة إلى طرق أخرى لابد منها، لا تريد السلطة التنفيذية أن تسلكها مع أنها من خلالها يمكن استعادة شيئ من الأمل بوضع مستقر للمواطن، وكلها تمثل اهداف استراتيجية فى الصدارة منها – وهذه مجرد عناوين – حسن تصميم الأولويات، الخروج من حلقة المديونية التى تراكمت بشكل غير طبيعى، تطوير إدارة الديّن العام للخروج من هذه الحلقة المفرغة وتبعات الكلفة العالية للدين العام، التركيز على جهود التنقية المالية، مواجهات حازمة لكل أوجه الفساد والتجاوزات والإنفاق البذخي غير الضرورى، وإحياء مشروع إعادة هيكلة الجهاز الحكومى، وتعزيز القدرة التنافسية إلى الجسم الاقتصادى، وهذا يعنى زيادة مستوى الأداء فى القطاعين العام والخاص، مع التأكيد على أهمية تحديد مفهوم الشراكة بين هذين القطاعين والتى تؤكد عليها رؤية البحرين الاقتصادية، ويكررها مسؤولون كثر بمناسبة ومن دون مناسبة.
لا شك أن الشراكة مطلوبة لأن حل المعادلة التنموية، ووضع التنمية المستقبلية على أسس ثابتة وراسخة يتطلبان جهوداً استثنائية ملقاة على عاتق الطرفين الحكومة والقطاع الخاص، فالجهود الإصلاحية لا تقع على طرف دون الآخر، فالحكومة عبر سياسات وتسهيلات وتشريعات داعمة ومحفزة، والقطاع الخاص من خلال زيادة الاستثمارات وتوفير فرص العمل للبحرينيين، لأن مكافحة البطالة لا تتم ما لم تقم نهضة استثمارية نوعية توفر فرص العمل لأبناء البحرين الذين يجب اعتبارهم الطرف الثالث فى التنمية، وهذا أمر، كأي أمر آخر يتصل بالميزانية والوضع المالى والاقتصادى لابد أن يستند إلى أرقام وإحصاءات صحيحة، واقتراحات منطقية، وقوانين مدروسة. وهنا نشدد على دور النواب، وكيفية تعاملهم مع الميزانية، فهم أمام امتحان، فكونهم شريك مع الحكومة فى المسؤولية أمر لا ينبغي ان يغيب عن بال الجميع .
إنطلاقاً من ذلك سنظلّ، نحن وغيرنا، نسأل كيف سيكون تعاطي النواب مع الميزانية العامة الجديدة ؟، وكيف ستكون مخرجات هذا الأداء؟، وهل سيحطّ التوافق الذى بُشرنا بين الحكومة والنواب رحاله على أرض الواقع، عبر التوافق على الأولويات، والحسابات التى لا تجعل المواطن العادى من فئة “مهدودى الدخل” يتجرع مرارة أية اجراءات اقتصادية قاسية فيما هو ينتظر ما يُحسن أوضاعه، ولا تجعل أي مواطن، أو متقاعد فى حالة قلق موجع، ولا تجعل ابن الوطن عاطلاً عن العمل، ولا صاحب العمل الصغير والكبير معاً وهو يضطر الى إعلان إفلاسه، أو يجرجر للمحاكم، لذلك يبقى المطلوب بوجه عام إجراءات وخطوات وسياسات لا تجعلنا ننشغل بالشكليات أو بخطط عامة وفضفاضة عن الغايات.
الميزانية يجب أن تكون مرتبطة بخطة مقنعة يتم التوافق عليها، ترمي إلى تغيير دينامية الحلقة المفرغة التى وقعت فيها مالية الدولة، والتى تتمثل فى دّين عام كبير يوّلد خدمة دين مرتفعة، تولّد عجزاً كبيراً فى الميزانية العامة، يؤدى حكماً إلى إضافة جديدة للدين العام، وهو الذى لا نجد مسؤولاً يتناوله ويسلط الضوء عليه ويحذر منه، ويطرح رؤية منطقية أو معالجات حصيفة ومدروسة لمواجهة هذا العبء الضاغط، ونحن نعتقد أن دينامية الحلقة المالية المفرغة يتم تخطيها بإسلوب إيجابي عندما يغدو المعدل السنوى لنمو الديّن العام أقل من المعدّل السنوى لنمو الاقتصاد الوطني، وشتان بين المعدلين فى الظروف والأوضاع الراهنة.
من الواضح أن هناك عدم اقتناع لدى المواطن للمعالجات المعلنة والإجراءات التى تتخذها الحكومة بما فى ذلك الرسوم والضرائب وتوجهات الخصخصة وغير ذلك، خاصة فى ظل اتساع قاعدة الكيانات الرسمية من هيئات ووزارات وبالذات تلك المتقاربة فى المهام والاختصاصات، وتعيينات متواصلة على كل المستويات، وبشكل مثير للدهشة خاصة بالعودة إلى تصريحات كانت قد بشرتنا بإعادة هيكلة الإدارة الحكومية، وفى حجم الجهاز التنفيذى والإدارى، إذ بات من الملموس أن الأمور تسير بعكس ذلك تماماً، كما يمكن التذكير بالمصاريف التى تنفق على مشاريع وفعاليات ليس فقط لا تشكل أبسط ما يمكن أن يقال عنها بإنها لا تشكل أولويات، بل إنها تدخل ضمن ما يمكن أن يوصف بالعادات التبذيرية ذات الأكلاف العالية والتى تسبب وجعاً لا يطاق للفئات الفقيرة ومحدودة الدخل. يبقى مهماً ونحن نتحدث عن الميزانية التأكيد على ثلاثة أمور، الأول أن تصميم الأولويات والمراحل التى لابد منها للوصول إلى الأهداف المنشودة هو من أهم عناصر النجاح الذى لن يتحقق ما لم تقتنع جميع الفعاليات السياسية والسلطة التشريعية والاقتصادية والرأي العام بصوابية هذه الأولويات والمراحل التى تتضمنها لتحقيق الأهداف المنشودة، أما الأمر الثاني فهو التأكيد على أنه لا يمكننا السير على أساس سليم نستشرف من خلاله وضع أفضل فيما يتصل بالميزانية، والوضع الاقتصادى بوجه عام من دون تقييم ومحاسبة، ومن دون معاينة لمشكلات اقتصادنا، لكي نستخرج المعالجات الصحيحة والناجحة للمعرقلات التى يجب أن نتغلب عليها، والتحديات التى يتوجب مواجهتها أو الاستعداد لها، أما الأمر الثالث فيتمثل في أن أي اجراءات تقدم عليها الدولة وأي خطة تعافي، لا معنى لها ولا جدوى إن لم تنعكس على أوضاع المواطنين، وتوفر لهم حياة أفضل وأكرم واكثر أماناً، بكل ما تحمله كلمة الأمان من أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية .
يبقى سؤال ملح يفرض نفسه: بافتراض أن الناس قبلت، على مضض أو اقتناع، بالإجراءات والمبادرات المطروحة، هل يمكن أن تقدم الحكومة ضمانات بأننا سنتخلص من الديّن العام وأعباءه، وأن التوازن المالى سيتحقق فعلياً فى الميزانية ويتحقق معه الاقتصادي الموعود؟!