دأب العرب، وقادتهم خاصةً، على مناشدة المجتمع الدولي بإدانة الحرب الصهيونية ضد سكّان قطاع غزّة، فيما هم عاجزون عن اتخاذ موقف إزاء هول ما يجري. هذه الغطرسة الصهيونية ما كانت ستكون على ما هي عليه لولا التخاذل العربي، ولولا الدعم الأمريكي المفتوح للمعتدين، حيث يتباهى دونالد ترامب بدعمه الكلي لما يرتكبه الكيان الصهيوني من مجازر ضد الأبرياء في غزّة، بقتل من بقوا على قيد الحياة، وما يوقعه من دمار فيما تبقى فيها من (بقايا) بيوت ومرافق وخيام اللاجئين، وهو دعم مرتبط بدعوة ترامب لتهجير سكّان القطاع، وتحويله إلى مشروع استثماري تديره واشنطن نفسها، وربما يريد له أن يكون جزءاً من إمبراطوريته العقارية الخاصة.
لهذا ما انفكّ القادة الصهاينة وعلى رأسهم مجرم الحرب نتنياهو وفريقه الحربي والأمني يعلنون أنّ عدوانهم على غزّة مستمر، ولن يتوقف قبل أن يُحقق أهدافه، ولم تعد هذه الأهداف بخافيةٍ، بعد ما جاهر بها ترامب، ولم يترك هؤلاء الصهاينة في الفصل الجديد الأشدّ وحشية ودموية من عدوانهم وسيلة إلا واتبعوها: الغارات الجوية، الصواريخ المُوجهة، الضربات الأرضية، العمليات الخاصة، التوغل البري في المزيد من الأراضي، بما في ذلك تلك التي انسحب منها العدو وفق بنود الهدنة التي أنهاها منفردا بدعمٍ وتشجيعٍ من ترامب، وسط صمتٍ وتواطئ عربيين مخزيين، ويتباهى قادة الكيان بما يقومون به من فظائع محتفيين بقدرات جيشهم في قتل أكبر عدد ممكن ممن بقوا أحياء في غزّة من المدنيين، وفي مقدّمتهم النساء والأطفال.
قبل عقود، قال كاتب السيناريو والرسام والروائي الإنجليزي جون بورجر إنّ وجه إسرائيل يتكشف عن “وحشية عارية”، حيث “تتصرف على أنّها الحَكم المفرد، كليّ القدرات، المعصوم من المساءلة”، مؤكداً أنّ الدولة الصهيونية “تؤمن بالموت لا بالعدالة، بالصمت لا بالتاريخ، بأسلحتهم المستوردة لا بأطفالهم”.
هذه الوحشية العارية لإسرائيل هي نفسها التي تمارس اليوم في غزّة وحتى في الضفة الغربية، بالتباهي بقتل الفلسطينيين والتنكيل بهم، والتهديد والوعيد بردود فعل أقسى وأعنف في المستقبل، وازدراء المنظمات الدولية المعنيّة بحقوق الإنسان، في مظهرٍ من مظاهر التوحش التي بلغها القادة الصهاينة الذين يتصرفون على أنّهم الأبناء المدللون لمن بيدهم القرار الحاسم على هذا الكوكب المبتلى بالطغيان والاستبداد وشرائع وحوش الغابات، لأنّهم مطمئنون إلى أنّهم فوق أيّ مساءلة، وأنّ “الفيتوهات” الأمريكية هي “قبتهم السماوية” في السياسة!