في كتابه “الإنسان موقف” يقول محمود أمين العالم، إن الإنسان في جوهره موقف. إنه ليس مجرد إشباع لرغبة، أو استجابة لمؤثر .. وإنما هو كذلك – في جوهره – إضافة عبقرية خلاقة إلى الحياة، تاريخ يتدفق صاعدًا، يعمل ويعاني، ويكتشف ويتخطى ويجدد ويبدع. حياتنا الإنسانية لا يصنعها فرد، وإنما تصنعها جموع من الناس، ينسجونها ويطورونها وينقلونها إلى مراحلها التاريخية الصاعدة، بأعمالهم ومعاناتهم وتضحياتهم وإرادتهم المجاهدة.
ولكن حياتنا الإنسانية كذلك يصنعها الفرد الذي يحمل عبقرية الجماعة، يحسن الإنصات إلى نبضاتها، يحسن اكتشاف إرهاصاتها الخلاقة، يحسن التعبير عن حكمتهما العملية، والتبشير بالجديد المتخلق فيها، والنضال من أجله باسم الناس جميعًا.
وقد يتميز هذا الفرد ويبرز، وقد يظل بين الناس مطمور الاسم، مجهول الفعل، رغم عظمته الإنسانية التي لا حد لها. وتاريخنا السياسي والإنساني، حافل بالكثير من الأسماء اللامعة.
في بلادنا، كثيرة هي الشخصيات الوطنية اللامعة، التي تركت بصماتها على مسيرة الكفاح الوطني وذلك من أجل الاستقلال من نير الاستعمار البريطاني، وبناء الدولة الوطنية على أسس ديمقراطية يتساوى فيها الجميع في ظل سيادة القانون ونزاهة القضاء واستقلاليته، ومن بين تلك الشخصيات المحامي والمناضل محسن مرهون (أبو زويا) ، الذي برحيله فقدت الحركة الوطنية والتقدمية قامة سياسية، ومناضلًا صادقًا أمضى جلّ حياته في خدمة قضايا الوطن وقيم العدالة والحرية والكرامة الإنسانية والتقدم.
كان كالسنديانة الصلبة الضاربة بجذورها في تربتها الوطنية المشرقة، لا يمكن أن ينحني أمام عواصف القمع والاستبداد، بل كلما اشتدت الصعوبات زادته صلابة ووعيًا. ولهذا كان الفقيد أحد النماذج الوطنية اليسارية المخلصة الملتزمة بالقضايا القومية والأممية والمتجددة أفقًا إنسانيًا.
بالفعل، كان مناضلًا من الطراز الرفيع، متحررًا من قيود الإنغلاق والتعصب، عاشقًا للحرية والحقيقة، جسورًا في مواقفه داخل السجن وخارجه، محبًا لهذه الأرض الطيبة التي أنجبت مناضلين ومناضلات وشهداء ضحوا بحياتهم في ملحمة النضال الوطني البطولية فداءً للوطن وقضايا الإنسان.
عندما كان عضوًا في المجلس الوطني عام 1973 – كأحد أعضاء كتلة الشعب – تميز بأداء برلماني جدير بالثناء، وعلى الأخص على صعيد ما يعرض ويناقش من مقترحات ومشروعات قوانين، وهو ما ينطبق أيضًا على أداء بقية أعضاء الكتلة، التي لعبت دورًا بارزًا في الدفاع عن مطالب الكادحين والجماهير الشعبية، ومواجهة المشاريع المقيّدة للحريات، وتفشي الفساد والرشوة والمحسوبية في أجهزة الدولة، والحفاظ على ثروات البلاد، والحدّ من نشاط الاحتكارات الأجنبية، وتصفية الوجود العسكري الإمبريالي، ورفض التدخلات الأجنبية في شئون البلاد الداخلية.
وتبقى مسيرة “أبو زويا” ناصعة بيضاء حاضرة في الذاكرة والوجدان.
كلّ العزاء والصبر لعائلته الكريمة ورفاق الدرب.
About the author
كاتب بحريني وعضو التقدمي