“الوطن” أهمُّ فردٍ من أفراد أُسرة الإنسانِ أينما كان، بل أوَّل أفراد تلك الأسرة وأهم أسباب تبرعُمها ونجاح اتّحاد شملها، دونه تتداعى كل أحلام الاستقرار ومشاعر الأمان مُستسلِمة للخوف والتذبذُب والتشرذُم وانعدام الأمل بالمُستقبل، وبفُقدانه تبدأ رحلة تيهٍ مُفجعةٍ للتشبُّث بأي ملاذٍ قد يكون قادرًا على ترقيع فتوق الحرمان من الانتماء ولملمة مِزق الذّات المُبعثرة بحثًا عن مظلَّة احتواءٍ لا يتّسمُ بالغَدر، لذا كان الوطنُ ومازالَ قيمةً عاليةً ونعمةً غالية يُلهم عشقها الأدباء ويوحي غرامها للمُفكرين النُّجباء، ولعلَّ من أفصحِ أمثلة الخواطر الأدبيَّة التي عبَّرت عن العلاقة المُتبادلة بين الإنسان والوطن ما تضمَّنهُ كتاب “السرَّايات” للمؤلِّف/ عيسى هجرس.
لم يستحوذ الوطن على كُل مضمون الكتاب، بل كان بصُحبة تأملاتٍ تناولت معانٍ انسانيَّة كُبرى كالعدل، المحبة، التسامُح، الجهل والمعرفة، التاريخ، الحضارة، الحرية، الشرف، الحظ، الحُب، المرأة، الثقافة والإبداع.. لكن شؤون الوطن احتلَّت مساحاتٍ تفوَّقت على المساحات التي احتلَّتها مضامين أُخرى ونالت نصيبًا أكبر من عدد سرَّاياته التي تجاوزَت 23 سرَّاية من أصل 1060، والـ “سرَّاية” كما يُعرّفها مُبدع الكتاب: “هي مزاج الرّيح عندما تفقدُ صوابها في شهوة الجنون للعصفِ والاقتلاع”؛ ولأنَّ “لموجات الفكر سرَّاياتُها التي تهبُّ في مُناخات الأحاسيس والعواطف فتجرُّ قوافل التأمُّل في مساحات البلاغة وأفق الخيال…صـ5″؛ فقد كان للوطنِ سُلطانًا انعكسَ أثرُه على عواطفه التي انسابَت عبر مداد قلمه في صورة خواطر تعزف على أوتار التأمُّلات.
الحُب غير المشروط للوطن شعورٌ يتدفق دون حدود بين السطور كما نرى في سرَّاية 271 حين يقول: ” أُحبُّ أن أكونَ نغمًا في نشيد بلادي وحرفًا في اسم وطني، وفي أرضهِ حبَّة غُبارٍ وفي هوائه خيط نسيمٍ يجرّني إلى آخر نفَس” وهو المحبوب الذي لا مُنافس لهُ في جماله كما يتجلَّى في سرَّاية 127 : ” بدأ الوردُ في خديكِ وانتهى عوده في خاصرتك، وأتى الجمالُ لحديقتكِ يقترضُ جمالاً، وتوافدَت العطور تستعيرُ منكِ رحيقًا، ثُلاثيَّة الجمالِ “سماءً وبحرًا وأرضًا”؛ يا رائعة التكوينِ أنتِ يا بلادي”، وهو أُغنية الحُب المُلهمة للأجيال كما تُلمح سرَّاية :399 ” بين نشيد طفلي ونشيد الوطن تسكُن أعظم أُغنية حُب”.
هذا المرفأ الآمِن والمأوى الغالي الذي يملك تاريخ أبنائه وأجدادهم يستحق الدفاع عن وجوده المادي والمعنوي كجُزء لا يتجزأ من كيانهم ووجدانهم ماضيًا وحاضِرًا ومُستقبلاً وباعتباره هبةً إلهيَّة يستحيل تعويضها، وهو ما تؤكد عليه السرَّاية الأولى في مُستهل الكِتاب بقولها: “لم أجد في الأيّام زمن، ولا في المسافاتِ سكَن، وكُل مقامٍ لا يُساوي نغمةً إذا ضاعت معزوفة الوطن”؛ قبل أن تأتي سرَّاية 378 بعد صفحات مؤكدة استحقاقه كل ما يُمكن من تضحيات بلُغةٍ شاعريَّة مُرهفة وتشابيه بلاغيَّة تخطف الأنفاس: “إذا فُتق علمُ بلادي ستكون عروقي خيوطًا له، وإذا انكسَرَ صاريه ستكونُ قامتي هامة شموخه”، ومع هذا لا يستوي الجميع في حجم حُبهم لأوطانهم، لأن: ” الوطن نسكُنهُ ويسكُننا زلكن بفارق المحبَّة، البعضُ أسكَنهُ حُجرةً بالقلب، والبعضُ بنى لهُ عمارةً بين الضلوع، والبعضُ أسكَنهُ بالإيجار، والبعضُ أعطاهُ القلبَ والجسدَ والروحَ هبة تمليكٍ” كما تُخبرنا سرَّاية 583..
وإذا كان حُب الوطن قضيَّة أساسيَّة ومبدأ لا يقبل جدلاً كما يراه مؤلِّف السرَّايات؛ فإن الواقع المُعاش يُعلن عن قضايا مُجتمعيَّة وسياسيَّة فرعيَّة تتبعها وتمس حياة المواطِن ما يجعلها أهلاً للتأمُّل.. وجود مجموعة قد لا تتفق مع بعض ما تراه من زوايا أُخرى لا بد وأن يكون نابعًا من نوايا مُحبَّةٍ طيّبة تجعل من مصلحة هذا الوطن على قمَّة أهدافها ومبادئها، وعن هذا تقول سرَّاية 331 : “لصوتِ المُعارضة موجةٌ طولها طول خريطة الوطن، وقياسُ ترددها عدد المواطنين، وأي طولٍ وترددٍ آخر هو خارج تغطية المواطنة”، كما أن على المواطن الواعي الإيمان بضرورة التعايُش البنَّاء تحت سماء هذا الوطن وفق ما تُشير إليه سرَّاية 233: ” كُن مواطنًا مُتسامحًا يمسي في هيئة دولة؛ كالمصباح المُنير لا يُفرّق في نوع الكائناتِ حوله”، ليظل الوطن بمواطنيه قلعة كرامة عصيَّة على كُل قوّة شرٍ دخيلة قد تسعى لزعزعة استقرار العيش على أرضه وفقَ ما تؤكد سرَّاية 462 بثقة: “وطني.. في القسمة أحبابي وفي الجمع حبيب، يا شِبرَ الأرضِ الذي رفضَ حذاء الغريب”.
يأخذ الكتابُ قارئهُ في رحلةٍ مُمتعةٍ على زورق التأملات نحو جُزُر الفكرِ والحِكمة، مُستعينًا بلغةٍ موسيقيَّة مُترفةٍ بالمُحسّنات البديعيَّة، حريصًا على أن تأتي كُل سرَّاية من سرَّاياته في سطور قليلة تجنبًا للسقوط في فخ التعقيد والإملال، ما يجعل منهُ رفيقًا جيدًا للراغبين في قراءته دُفعةً واحدة أو على دفعات.