تقدمت الحكومة الموقرة بحزمة من المبادرات تهدف إلى تحقيق توازن مالي من خلال الميزانية العامة للسنتين القادمتين. يمكن تقسيم هذه المبادرات إلى ثلاث مجموعات: رسوم وضرائب، رفع الدعم، وإصلاحات ادارية وتنظيمية. تُمثل هذه المبادرات حلولاً تعتمد سياسات مالية ونقدية قصيرة المدى. بالرغم من أنّ الضرائب والرسوم أدوات مستخدمة إلا إننا نتطلع إلى حلول تنموية واقتصادية أشمل وأكثر تاثيراً على الاقتصاد الانتاجي وزيادة الصادرات، نتأمل أن تكون مشمولة في تفاصيل مشروع الميزانية. من ناحية أخرى تعتمد الحكومة في قياس الأداء الاقتصادي على مؤشر الناتج المحلي الإجمالي، ولا يبدو في ما نُشر إشارة إلى مؤشرات تنموية واجتماعية تقيس التقدم في الرفاه الاجتماعي والازدهار الاقتصادي وتأثير مردودها ومنافعها على حياة جميع المواطنين.
تحقيق توازن مالي ونمو اقتصادي لتقليل الدين العام أمر مهم وضروري لكنه يحتاج إلى سياسات تنموية واقتصادية ومالية تنظرإلى الصورة الأكبر التي تربط المشروع بالحياة الإنسانية والاجتماعية والثقافية والسياسية، يضع أهدافاً تنموية واقتصادية تسعى لتحقيق غاية أسمى، وهي ازدهار اقتصادي يُحقق رفاهية المواطن ورفع مستواه المعيشي وتقدم المجتمع واستقرار الدولة وفق مبادئ العدالة والاستدامة والحوكمة الرشيدة التي أساسها الشفافية والمساءلة؛ ويخضع لقيم العدالة والمساواة والتكافل الاجتماعي. هذا النهج الفكري يجعل الغاية من التنمية هي الإنسان والمجتمع، وبالتالي يفرض إعادة تعريف الأداء الاقتصادي بما يتجاوز مؤشر “النمو الاقتصادي” والتوازن المالي، ليشمل مؤشرات أداء اقتصادي تنظر إلى الأثر في حياة الناس ومستوى معيشتهم وانتاجيتهم واستقراهم، أي توجه لمعالجة القضايا الملحة التي تشغل المجتمع والدولة مثل البطالة ومستوى المعيشة ومعدلات الفقر وتوسيع القاعدة الإنتاجية.
توسيع الهدف ليشمل الفرد والمجتمع والدولة يقتضي أن تكون المعالجة شاملة، والخطوة الأولى توجه تنموي طويل الأمد، والخطوة الثانية أهداف اقتصادية، والخطوة الثالثة سياسات مالية ونقدية. تبدأ الخطوة الأولى بتعريف الازدهار الاقتصادي ومستوى المعيشة للمواطن وماهي البرامج والسياسات الموجهة لمعالجة القضايا الملحة، وتجيب على تساؤلات مثل: ماذا يعني الازدهار بالنسبة للفرد والمجتمع، وكيف نعرِّف ونقيّم هذا الازدهار، وكيف يتوزع مردوده. السؤال الآخر هو: ماهي القطاعات والمشاريع الكبيرة التي ستدعمها هذه الميزانية لخلق فرص عمل للمواطنين برواتب مجزية، وماهو مستوى المعيشة اللائق والمتفق عليه مجتمعياً (ماهو الحد الأدنى للدخل الذي يحقق هذا المستوى)، وماذا يعني تقدّم المجتمع واستقراره. هذه قضايا مترابطة تحتاج إلى نهج يضع هذه الغايات في المقدمة، ويسعى إلى توافقات ونتائج يدعمها الجميع. صحيح أن هذا حلّ طويل الأمد، لكننا ما لم نبدأ فإن الغاية ستبقى بعيدة. ما لم نتناول الموضوع بهذه الشمولية فإن مبادراتنا قد تكون قصيرة الأمد ومقتصرة على الجانب المالي والنقدي على حساب الجوانب المؤثرة في حياة المواطن واستقرار المجتمع والدولة.
فمثلا، المبادرة الأولى “رفع كفاءة المصروفات العامة”. مبادرة مهمة تعني إجراء تعديلات (إعادة هندسة العمليات) لرفع فعالية وكفاءة الأجهزة الإدارية في الدولة وتقليل تكلفتها، خصوصاً وأنّ هناك تضخماً في بعض هذه الأجهزة. تبعات ذلك يعنى الاستغناء عن موظفين في القطاع الحكومي وتقليل فرص التوظيف، لذلك ينبغي أن يصاحب هذه المبادرة إعادة تدريب لمن سوف يتمّ الاستغناء عنهم. كذلك يتطلب الأمر خطة اقتصادية شاملة تفتح فرص عمل في صناعات ومشاريع كبيرة تستوعب الفائض من العمالة الوطنية، ومن خريجي التعليم العام والعالي. لذلك فإن مثل هذه الإجراءات ينبغي أن تكون جزءاً من خطة تنموية أكبر تعمل على إقامة مشاريع متنوعة في التصنيع والسياحة والقطاع المالي وغيرها.
تسعى الحكومة من خلال هذه المبادرات إلى تحقيق توازن مالي، وتقليل الأعباء المالية على الموازنة القادمة، وزيادة الإيرادات وخفض الدين العام. فهل هذه المبادرات هي أفضل ما يمكن؟ وما تأثيراتها وتداعياتها على المواطن والمجتمع والدولة والقطاع الخاص، خصوصاً الشركات الصغيرة والمتوسطة؟
هناك بدائل ضريبية أخرى قد تكون أقلّ ضرراً على الفئات الضعيفة في المجتمع، وأقلّ تأثيراً على القطاع الخاص. نذكر منها ضريبة الأرباح الرأسمالية (على الأسهم والعقارات) والتي تؤثر بشكل أساسي على أصحاب الثروات وليس عامة المستهلكين، وضريبة على السلع الكمالية غالية الثمن، وضريبة على المضاربات العقارية، وضريبة تصاعدية على الدخل المرتفع للأفراد والشركات. مثل هذه الضرائب يصعب تمريرها على المواطن العادي وتمثل حلاً قصير الأمد وتُكّرس مفهوم التكافل الاجتماعي. كذلك من الأفضل أن يرافق ذلك حلول طويلة الأمد مثل المشاريع الكبيرة الانتاجية التي تخلق فرص عمل وتدعم الصادرات وتقلل الواردات، يتمّ ذلك من خلال تنمية القطاعات غير النفطية مثل السياحة والتصنيع والقطاع المالي وغيرها، وإخضاعها لنظام ضريبي تصاعدي يدعم الميزانية. نأمل أن تكون مثل هذه المشاريع مشمولة ضمن مشروع الميزانية والرؤية الاقتصادية للتنفيذ القريب.
السؤال لا يقتصر على التوازن المالي أو إيجاد فائض في الميزانية، بل ينبغي أن يتسع ليشمل: ماهي القضايا المجتمعية الملحة التي سوف تعالجها هذه المبادرات؟
يفترض أن تكون عملية وضع الميزانية منظومة متكاملة من الحلول للقضايا الرئيسية في المجتمع والدولة وتنبثق من رؤية تمّ وضعها مسبقاً في برنامج الحكومة تشمل أهدافاً ومبادئ وقيم تسعى الحكومة لتكريسها من خلال مشروع الميزانية والمنسجم مع الرؤية العامة لمسار الدولة وإلى أين تتجه. فما هو التوجه وما هي الأهداف التي نسعى للاستمرار في تحقيقها أو تعزيز العوامل المؤثرة فيها؟، على أن نكون ملتزمين بالمبادئ والأسس التي وُضعت في الرؤية والتي تحكم السياسات، ومنها الميزانية والقرارات والبرامج والمشاريع الناتجة عنها. الحلول ينبغي أن تعبّر بشفافية عن التكافل والتضامن الاجتماعي والعدالة الاجتماعية؟ والالتزام بهذه المبادئ يعنى أن نضع القضايا الرئيسية في مقدّمة العمل وأن نرى ماذا تحقق وماذا بقي في هذه الفترة، وأين ينبغي أن يكون التركيز لإحداث أكبر أثر على حياة المواطن ومستواه المعيشي وعلى تقدّم المجتمع واستقرار الدولة. وهذا يحتاج إلى منظومة مؤشرات أداء اقتصادي واجتماعي تتجاوز مؤشر الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد منه إلى مؤشرات تقيس تأثير أي حزمة من المبادرات على المواطن ومستوى معيشته ورفاه المجتمع وتقدّمه واستقراره.