لربما نشعر بأننا نبدو أكثر جمالاً في حضرة من نحبّ.. تبدو لنا أعيننا تلمع من فرط الشعور بالدفء وابتساماتنا صافية -تحمل أقل ما يمكن من شوائب الحزن-.. أخال أن هذا الإحساس يتأتى من الالتزام والمسؤولية -على نحوٍ لا تكاد تفرق كونه فرضاً أو خياراً-. الحبّ ببساطة قد يلمس كل قلب نعرفه، حتى القلوب التي نظنها باردة قد يحرقها الحنين.. مساورة الحبّ قد تتوهج في ذاتك بشعور صغير يزرعه قلبك من ثوانٍ لدهشة عابرة أو انبهار خاطف.. لكن التزامك بالواجب تجاه من تحب.. خوفك عليه.. شعورك بأنك يجب أن تكون جزءً من سلامه وضحكاته وفرحه.. شوقك له.. بلسمك الذي يداريه.. كل هذا يبلوّر مفهوم الجمال الذي يأخذنا إليه الحبّ.. الجمال المنبعث من حيوية الروح.
قد يكون الحبّ تماساً روحياً مشتركاً مع ذات أخرى؛ يهب المحبّ توليفة وارفة من الأمان المفتقد في الحياة السريعة.. تهدهد توتره برفق كأنما هو الشعور الوحيد الثابت والمطلق.. على نحو أشبه بنص الشاعر قاسم حداد ”قل هو الحبّ ولا تصغي لغير القلب”.
هواجس طرقت خلدي وأنا أتابع حكاية واقعية أدار أماكنها وشخوصها المخرج المصري تامر محسن تحت عنوان رقيق يحمل أغنية الراحل فريد الأطرش “قلبي ومفتاحه”، نبؤة القلب تهمس في قدر البطل لتتبدد عاديته ويتحوّل إلى قلب نابض في خطوط مربكة تجاه نصفه الآخر. فيما تنبعث أغنية العندليب عبد الحليم حافظ “كنت فين وأنا فين” لتبسط مشاعره بعد أن عثر على الحبّ الذي انتظره طويلاً.
هل يمكن أن نفقد بفعل الحبّ قدرتنا على التحكم في قصتنا التي اخترناها لأنفسنا منذ سنين طويلة؟ إذ أن معظم أبطال المسلسل في منتصف العمر وخريفه، عبروا تهور المراهقة وحدّة العواطف، لكنهم ربما لم يجدوا الحبّ بعد، لذا كثفوا أمانيهم بإيجاده إما على رف حكاية بعيدة لم تنتهي، أو على أسوار حكاية جديدة تمحو آلام الماضي، يجسد هذا الحنين الشفيف والشوق الوجِل قوت الألم اليتيم لكل الأبطال لاحتمال وحدتهم في اللحظة الآنية.
يستدعي تامر محسن وشريكته في كتابة المسلسل مها الوزير شخصية “المُحلل” التي يمكننا كمشاهدين أن نُكمل سطورها تحت صدى الأفلام القديمة. إذ يخرج أبطال بحثًا عن لقاء لا يدوم أكثر من ليلة واحدة، ليجدوا ضالتهم وملاذهم الآمن.
تتجه خطوات امرأة تبحث عن رفقة ليلة واحدة تعيد لها توازن حياتها، إلى نفحات شاعرية تلم شتات شخوص الحكاية وتحفزهم للحبّ وفك حظر الشوق.
يجسر مسنٌ أسمر على طلب لقاء حبيبته التي تنتمي لحكاية الصبا، التي عاشها بمفرده وخفق فيها بقلبٍ يكفي لشخصين، حتى تهبه حيلة مندفعة بدلًا من المواجهة الناضجة، لأن قصته مازالت تنتمي في قواعدها إلى عهده اليانع. ومازال الصبي بداخله يرتعب من بلدوزر الرفض.
قد تضجّ الحكايا باللامنطق، فتاة مستقلة تُحب الرقص تتعلق بشاب لا يشبهها فب شيء ولا يمتلك أفقها للعالم، لكنها أسيرة قصتها القديمة معه ولا تمتلك شجاعة التحرر منه. وتصحو ستينية على عاشق يُرسل لها رسائل غرامية، لتدرك أن حبّاً أسطورياً كان ينتظرها منذ عقود. لكنه سرعان ما يغدو حكاية ملفقة ببطل كاذب وأمل منعش.
وصف الناقد محمود عبد الشكور سيناريو المسلسل بأنه “أفضل سيناريو لعمل رمضاني”، مضيفاً بأنه ليس فقط ألعاب السرد بين عدد محدود من الشخصيات، ولكن البدء أيضاً من قصة -البحث عن محلل- والانتقال بسلاسة ونعومة لما هو أعمق بإعادة تأمل وتفكيك لعلاقات الحب في مجتمع ذكوري الآن وليس بالأمس، لنكتشف أن حكايتنا لم تخرج عن عالم “السفيرة عزيزة” ولكن بتنويعات مختلفة، فحكاية المحلل هي المدخل فقط، وهي ذروة الخلل في علاقة الحب. ما يراه عبد الشكور “إعادة قراءة معاصرة ذكية وعميقة لثنائية الرجل الشرس صاحب القطيع، و-السفيرة عزيزة- وهو ما يحكم مجتمعاتنا العربية حتى اليوم”.
برع تامر محسن في عنونة كل حلقة بإسم فيلم يحمل طابعها ولونها، أبطال حالمين في واقع قاسي. فهناك “السفيرة عزيزة”، “المتوحشة”، “إشاعة حب”، “خطيب ماما”، “موعد على العشاء” و”الحبّ فوق هضبة الهرم”. كما تجسد الموسيقى التصويرية التي وضعها ساري هاني، روح المسلسل التي دللت اللحظات الرومانسية وزادت من حدة التوتر الدرامي، لا سيما مع الاختيار الدقيق للأغاني التي رافقت المشاهد، ما جعل التجربة السمعية والبصرية في تزاوج منسجم.
يضمن محسن السذاجة الكامنة في تشكيلنا الجواني، أو يمس ذاك الحنين فينا لإيجاد حبّ دافئ يموسق قلوبنا من النظرة الأولى. فتجد الأبطال يخلعون العادية ويحلقون ولكنه تحليق أقرب لرشاقة الخيال من ترهل للواقع!.