كنتُ في العقد الثاني من عمري عندما قدُمتُ للدراسة في الاتحاد السوفياتي ضمن مجموعة كبيرة نسبيا من المستجدين. التقينا هناك كوكبة من الطلاب الأوائل الذين سبقونا بأعوام، والذين بذلوا الكثير في تعليمنا اللغة والعيش والثقافة والفكر والقيم في وطن الإشتراكية الأول. وتعلمنا دروسا مفيدة من قصصهم النضالية الشخصية قبل الحياة الجامعية. لكن ارتباطاً وثيقاً شدني بإثنين : عبد العزيز أحمد حسين، المحاسب الشهير فيما بعد، فهو الوحيد الذي ربطتني معه علاقة صداقة ونضال سابقة، وفقيدنا الغالي محسن حميد مرهون، الذي يكبرني بعقد من السنوات تقريبا، وعرفته هناك لأول مرة، هو وكل باقي الطلبة القدامى.
اكتشفت بعد حين أنني لست الوحيد من الطلبة الجدد الذي انشد إلى محسن بحميمية. كانت جاذبيته في بساطته اللامتناهية ومرحه الدائم وحبه للحياة التي يزج بك لخوض مغامراتها واكتشاف أسرارها .. من داخل العائلة الروسية إلى المجتمع السوفياتي المتعدد القوميات المتآخية، واستعداده الدائم لمساعدتك وانتشالك من أي ورطة، ربما يكون قد هيأها هو لك، لتتعلم منها شيئا مفيدا.
من خالط محسن عرفه صعب المراس، صلب العود، وعرفه أيضا جياش العاطفة، إن فرح جلجل ضحكاً وإن تأثر ذرف دمعاً. قليل الكتابة، لكن إن كتب، رمى في النقطة، كما يقول التعبير الروسي.
في المناقشات هو صاحب الصوت الأعلى، لكنه الأَولى بتنفيذ المهمات الصعبة. سرعان ما يُعْديك باتِّقاد نشاطه، سواء كان المسرح عملاً سياسيا أو نشاطا فكريا أو فعالية ترفيهية أو مؤتمرا طلابيا أو حزبيا، محفلا بحرينيا، عربيا أو دوليا. بطريقته الخاصة، التي لا يمتلكها أي أحد، يوصل قضية شعبه ووطنه إلى ممثلي مختلف شعوب العالم ويجسد تضامن شعبنا مع قضاياهم العادلة، ويكسب ثقتهم وصداقتهم. كان في عيون منظمات الأحزاب الشيوعية والعمالية الشقيقة والتقدمية الأخرى المتواجدة في الاتحاد السوفياتي نموذج المناضل الأممي الذي لا تأسره حدود وطنية أو قومية.
بعد أن تخرج محاميا عاد إلى وطنه وافترقنا لسنوات طويلة، حتى التقيته في السبعينات نائبا للشعب في أول برلمان في البحرين ضمن “كتلة الشعب” التي دعمتها جبهة التحرير الوطني. كانت الحركة الطلابية جزءا حيويا من الحراك المجتمعي النشط الذي شهدته بلادنا في تلك الحقبة. ولكوني نائب رئيس الاتحاد الوطني لطلبة البحرين في الخارج وجدت في رفيقي محسن خير داعم لنشاط الاتحاد الصيفي في الداخل، ولدور الاتحاد المقرِر إلى جانب وزارة التربية والتعليم في قبول وتوزيع البعثات الدراسية والطلبة المستجدين على جامعات العالم. وبدعوة منه حضرت إحدى جلسات المجلس الوطني التي ناقشت عددا من القضايا الساخنة. وبقدر أكبر كان محسن سنداً قويا لنضالات الحركة العمالية والنقابية ومدافعا أمينا عن قضاياها أمام المحاكم وفي داخل البرلمان. كما ساهم إلى جانب رفاقه في وضع مسودة قانون العمل وأرسل منها نسخة لنا في الخارج لأخذ مشورة كبار المختصين في هذا المجال. وبجرأة كبيرة طرح وزملاؤه النواب قضية المعتقلين السياسيين في أول جلسة للمجلس الوطني، كما طرحوا مسألة القواعد العسكرية الأجنبية، إضافة إلى قضايا كبيرة أخرى، انتهاء بالوقوف في وجه مشروع قانون أمن الدولة السيئ الصيت.
بعد حل البرلمان وصدور قانون أمن الدولة جاب النائب المحامي محسن مرهون عددا من بلدان العالم ليشرح قضية شعبه وكسب التأييد لها. وقد حضر المؤتمر العام لمنظمة تضامن شعوب آسيا وأفريقيا الذي عقد حينها في مدينة لينينجراد السوفياتية، والذي أقر السابع من ديسمبر يوميا عالميا يحتفل به كل عام للتضامن مع شعب البحرين من أجل عودة الديمقراطية. واكتسبت محطته الأخيرة في الكويت أبعادا سياسيا إقليمية أبرزت محنة الديمقراطية في بلادنا بعد حل المجلس الوطني، وحين عاد إلى البحرين ألقي ألقبض عليه في المطار، ليبقى في السجن خمس سنوات متواصلة.
عندما كنت في الخارج كان الاتصال الدائم بالفقيدين الغاليين أحمد الشملان ومحسن مرهون يوفر مادة غنية وحيَّة للمساهمة في المؤتمرات الدولية والمقابلات الصحفية والإذاعية. وأذكر من بينها مقابلة هامة في مبنى البوش هاوس لهيئة الإذاعة البريطانية في لندن مع ممثلي الحركة الوطنية البحرينية، حيث اتصلتُ وتحدث الوفد مع الرفيقين الشملان ومرهون قبيل إجراء المقابلة، والتي كانت ثرية جدا بفضل ما زوَّدانا به في تلك المكالمة.
ومن جديد جمعتني الحياة مع رفيق الدرب محسن على أرض الوطن مع بداية الإصلاحات السياسية. وصهر الواقع الجديد مناضلي جتوب في الداخل بكل خبراتهم التنظيمية والسياسية في العمل السري، ونحن الذين عملنا امتدادا متواضعا لهم في الخارج، بما تعلمناه من تجارب الأحزاب الشيوعية والعمالية العالمية والتقدمية الأخرى والمنظمات الدولية المتخصصة في مختلف المجالات، لنخرج جميعا برؤيتنا بمستقبل العمل النضالي في ظروف الإصلاح والعلنية.
وكان العمل الوطني اليساري في إطار جبهوي من أهم شواغلنا الأساسية. وكان منزل الرفيق محسن مرهون مكانا لاجتماعات النقاشات المستفيضة للمشروعات الأولية بين قوى التيار الوطني الديمقراطي. بعدها كلَّفنا الرفاق، محسن وأنا إضافة إلى رفيقة ثالثة، بشرف تمثيلهم في اللجنة التحضيرية لتأسيس جمعية العمل الوطني الديمقراطي حيث ضمت اللجنة أيضا ممثلين عن الجبهة الشعبية. وللأسف حال الخلط بين مفهومي الحزبي والجبهوي دون استمرار جمعية العمل الوطني الديمقراطي كصيغة جبهوية.
وبما أن حياتنا لا تقبل الفراغ، فقد نشط رفاقنا من أجل تأسيس المنبر التقدمي، وكان للرفيق محسن مرهون بتاريخه وخبراته دور بارز في بلورة التنظيم الوليد كامتداد لجبهة التحرير الوطني، ولعب ذات الدور في أول قيادة تشكلت بعد التأسيس. وبخبراته البرلمانية السابقة ونضالاته المشرفة خلالها ساهم الرفيق محسن في بلورة الموقف من المشاركة في العمل البرلماني، ثم وضع البرنامج السياسي وممارسة العمل التنظيمي لهذه المشاركة استمرارا لخدمة قضية شعبنا في الحرية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي والسلام.
نم قرير العين، أيها الرفيق الغالي أبا زويا. ففي مسيرتك الكفاحية المضيئة سيجد رفاقك على الدوام هدْيا ودافعا لمزيد من التضحية في النضال لتحقيق الأهدف السامية التي نذرت نفسك من أجلها.
كلمة وفاء وانحناء لشريكة حياتك ورفيقة دربك الإنسانة الكبيرة أم زويا، فتحية سلوم التي شرفتنا جميعا بمواقفها البطولية في السراء والضراء.