محسن مرهون والفراق الصعب

0
191

ونحن في بداية العام من هذه السنة، كل يوم يمرّ يحمل نذيراً جديداً، ويضيف خوفاً جديداً في القلوب وفي النفوس، وهمّاً ثقيلًا أقرب إلى الفاجعة عند سماعك عن رحيل من تُحب، فما بالك أن يكون قريبأً وصديقاً ورفيقاً، كسماع خبر مرّ علينا كالصاعقة، رحيل المناضل والأستاذ المستشار محسن مرهون والذي رحل عن دنيانا في الخامس من مارس 2025.

الأذهان تشتعل بعشرات الأسئلة عما يجب أن نفعله تجاه الموت، لكن الجواب واحد، لا رادّ له، عندما يحين أجل أي كائن يصبح الموت حتميًا، لكن تبقى قوة الحياة هي الأقوى والأمضى. إنه الموت، الموت مرة أخرى الذي حين يجيء لا يترك بيتاً دون أن يدخله، وعائلة الا ويُخلّف في قلب كل فرد منها ألماً وحسرة ولوعة وغصة ودموعاً.

 لا أحد يحب أن يرى الحزن في وجوه أقارب من يحبهم، لأنّها تولد في النفوس نوعاً لا يُنسى من الألم المضني، يوقظ في الأذهان صوراً لا نهاية لها من التذكر الدائم بالفقدان.  إنها المشاعر نفسها تتكرر مرة أخرى أمام عيوننا، كم فقدنا من الرفاق ومن الأصدقاء ومن الأحبة؟ ولكن، أليس هي مشيئة الحياة وطبيعة الكون وسيرورة الطبيعة. حتى الكلمات تبدو باهتة عاجزة، ولا تعبّر عن أي شيء أمام هذه الفقدانات المستمرة، إزاء ذلك نلجأ إلى الصمت، ولا شيء غير الصمت، عدا تلك النظرة الثقيلة الحافلة بالحزن، والمرتسمة على الوجوه المتسائلة عن كل ذلك.

أبا زويا، لك أن تتركنا وتذهب إلى رفاقك الراحلين، لك أن تهجر شُطآن أحبابك ويبقى الوطن يبكيك لتظلّ حكاياتك في الوجدان، تبقيك بيننا لأنها تولد في نفوس من عرفك تاريخاً من النضال والمثابرة على كل المستويات، النضالية والفكرية والسياسية والقانونية، فأنت في مجال اختصاصك كنت مرجعاً موثوقاً عن أي تساؤل.

أحاديثك التي لا تُملّ عن كتب قرأتها توقد في الأذهان صوراً لا نهاية لها عن فهمك للتاريخ ومعرفتك الواسعة الدقيقة بالوقائع والأحداث السياسية من خلال الخبرة التي راكمتها على مدار السنين سواء في العمل السياسي أو البرلماني أو القانوني وأنت الفائز بجدارة بعضوية المجلس الوطني في العام 1973، ودفعت ضريبة النضال ضد الظلم والطغيان خمس سنوات من السجن بدءاً من العام 1975.

لطالما اعتبرت القراءة واجباً علينا أن نقوم به، فالكلمة المكتوبة تهبنا أسرار الروح والاستسلام لنزوات الخيال، وأن الكتب ليست سوى مرآة نرى فيها ما نمتلكه في دواخلنا، فكنت قارئاً جاداً في معرفة حقائق الكون وأسرار الطبيعة، وكانت لك مقولة ترددها دوماً على مسامعنا، “اليقين مريح، لكنّنا لا نتعلّم إلاّ بالشكّ”، فأخذت أتعلّم شيئاً جديداً كلّ يوم منك، وليس غريبًا عليك أن تكون موسوعي المعرفة، فمكتبتك زاخرة بمجلدات الأدب والشعر والفلسفة والتاريخ والقانون.  

أن يموت الإنسان في الوقت الذي أنهى كل ما يجب أن يفعله في هذه الحياة، وأن يغادر الدنيا بهدوء وسلام، إنه لشيء محمود، فقد قمت يا أبا زويا بواجبك على أكمل وجه، فقدّمت لأسرتك ولمجتمعك جلّ ما تملك، ففزت بمحبة الناس وبعرفانهم، فأنت السيرة والسيرة أنت، وقفت شامخاً كالطود مدافعاً عن العمال والكادحين، خطيباً مفوّهاً، وأبليت بلاءاً حسناً في المجلس الوطني المنحل، ورفعت راية النضال عالياً خفاقة، فكنت خير مدافع عن الوطن بكل أطيافه. كنت تحلم طويلاً أن تبني شيئاً عادلاً في هذه الرمال القاسية التي لا تنبت فيها الاّ السيلُ من الأحقاد والضغينة والطائفية البغيضة، فغيبوك خلف القضبان فوجدت الرفاق في انتظارك، متلهفين لسماع حكاياتك، فما كان من الشهيد سعيد العويناتي إلا وأن أهدى إليك قصيدة (إلى زويا) عرفاناً بدورك ومعرفة بصنيعك وتقديراً ومحبّة، فمن الصعب ألاّ يكنّ المرء المودة لك.

كان بيتك مكاناً جامعاً للقادمين من المنفى مهيأً لهم الظروف ومساعداً لهم في الحصول على ما يحتاجونه بعد هذا الغياب الطويل عن البحرين، فكنت خير معين وخير رفيق. كما أن الرفاق من السعودية والكويت كانوا على علاقة مستمرة معك حتى آخر أيامك، فكنت حلقة الوصل بيننا وبين هذه النخبة من الرفاق الخليجيين. ولا أنسى الزملاء من السودان ومصر والعراق الذين يأتون إليك أيضاً في زيارات عديدة، فكنت مضيافاً، شهماً ونبيلاً في استقبالك لهم.

كنت يا صاحبي وفي خضم معاركنا النقاشية، لا تترك الأشياء في زاوية المبهم أو البين بين، صادقاً مع نفسك والآخرين حتى ولو أغاظهم ذلك، فتقول إنّ الحياة تستحق أن تُعاش، وفيها ما يمكن الالتصاق به وما يمكن الدفاع عنه من أفكار، حتى لو لم تعجب الآخرين. في النقاش تتسلّح بالواقع للذود عن أفكارك فترسم لنا صوراً عديدة تبلورها أحياناً في وقائع بسيطة، قابلة للفهم فتقول بأنه ما يزال في هذا العالم متسعاً لشيء اسمه الأمل. الأجدى بنا التعلق بالأمل في أحلك الظروف الصعبة، وحتى عندما نوشك على أن نخسره نهائيّاً نُعيد ابتداعه حتى نبقى على قيد الأمل.

وانا أكتب عنك أشعر بالغياب الذي استحضره الآن، استحضرك ليس بصفتك صديقاً جميلاً فقط، بل أكثر من ذلك. كنت قريباً من الروح، فأنت أكثر من عاشرته من الأهل والأصدقاء، ألجأ إليه وتلوذ إليّ في كل المشاكل التي تواجه كلانا، فلطالما اعتقد كل واحد منا بأنه جدير بصداقة الآخر مؤتمناً على أسراره، حافظاً لها.  كانت الصداقة والأخوة التي تربطني بمحسن بمثابة خشبة خلاص، فلطالما نهلت منه جرعة الثقة ورباطة الجأش والشجاعة التي أحتاجها. وغداة لقاءاتنا، كنت أنصرف إلى أشغالي تحدوني رغبة جامحة بالنجاح.

فكرتُ منذ رحيلك بكل الوقائع التي قمت بتجميعها في مخيلتي، فوجدت أن بعض همومك يا أبا زويا تلتقي ببعض هواجسي الدفينة، فنحن نترقب الأحداث نفسها بالرغم من أننا لا نملك بالضرورة القراءة عينها للمؤشرات، وكنت أحدس بأن هناك شيئاً ما في تحسسك للأمور يبعدك عن الأفكار التي تتوخى الإجماع، فقد كان الماضي الذي عشته والحياة الصعبة التي كابدتها جزءاً من الطقوس التي تبدأ بها أحاديثك والوقود الذي يغذي أحاديثنا لاحقاً عن كل ما يخطر على البال من أحداث، تستحضر زماناً بعيداً كنت فيه صبياً وشاباً طموحاً يسابق الزمن، رغم أن كلامك في آخر لقاء لنا لم يعبّر عما عهدته فيك من حماس فكري، وإنما عن قلق وشعور طارئ، فأحسست بشيء ما قد تغيّر وتبدّل.

غيابك يا أبا زويا خسارة قاسية وضربة موجعة، ومع ذلك لا نملك في النهاية قدراً آخر، إلاّ قدر الحياة، على قسوته، فوحدها المرارة كفيلة بهزيمة الإنسان، وكما علمتنا نأبى أن نخضع أو ننكسر أو ننهزم، فالموت وإن فرّق الأجساد، لكنه لا يستطيع محو الذكريات ولا إنهاء الحب الذي يسكن القلوب، فليرحمك الله يا أبا زويا، والصبر الجميل لأم زويا وزويا وزين ولكلّ العائلة والأحبّة على هذا الفقدان.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا