تعتبر الميزانية العامة للدولة، أهمّ مشاريع القوانين التي تناقشها وتقرّها السلطة التشريعية، ومن خلال ذلك يمكن قياس مدى أهمية الدور الذي يقوم به المجلس التشريعي وفاعليته في عملية إقرار واعتماد الموازنة العامة، فهى تعدّ من أهم الوثائق التي تتضح بواسطتها التوجهات الرئيسية للسياسة العامة للحكومة، وتُبين ما الذي تنوي الحكومة أن تفعله، وكيف ستقوم بتمويل ذلك من خلال الإيرادات: (دخل النفط، الضرائب والرسوم، الاقتراض، عوائد استثمارات الدولة، أو المساعدات الخارجية… إلخ)، كما وتنعكس فيها أولويات البلاد في تفاصيل موازنتها العامة في القطاعات المختلفة، وبذلك تعكس الموازنة الفلسفة السياسية لإدارة الحكم من الناحية الاقتصادية والاجتماعية لتحقيق أهدافها، وتعتبر الموازنة من المسائل المهمة التي تؤثر في شتى مناحي الحياة العامة، ومن هنا أوجبت الدساتير عرضها على البرلمانات لدراستها ومناقشتها وقرارها.
وقد نصّ دستور مملكة البحرين في الباب الخامس “الشؤون المالية” في المواد من (109) الى (119) على آلية إعداد ومناقشة وإقرار الميزانية، حيث نصّت المادة (109) الفقرة (ب) على التالي: “تعدّ الحكومة مشروع قانون الميزانية السنوية الشاملة لإيرادات الدولة ومصروفاتها، وتقدّمه إلى مجلسي الشورى والنواب قبل انتهاء السنة المالية بشهرين على الأقل. وبعد تقديم المشروع تجتمع اللجنتان المختصتان بالشؤون المالية لكلٍّ من المجلسين في اجتماع مشترك لمناقشته مع الحكومة، وتقدّم كل لجنة بعد انتهاء المناقشات تقريراً منفصلاً إلى المجلس الذي تتبعه، ويعرض مشروع القانون على مجلس النواب لمناقشته وإحالته إلى مجلس الشورى للنظر فيه وفق أحكام الدستور، ويجوز إدخال أيّ تعديل على مشروع قانون الميزانية بالاتفاق مع الحكومة”
ففي المادة أعلاه وما تلاها من مواد في هذا الباب يلاحظ أنّ الدستور استفاض في تبيان تفاصيل آليات مناقشة الميزانية وإدخال التعديلات عليها وإقرارها ومسؤوليات كل سلطة في هذا الشأن. كما يتضح ذلك من المادة الدستورية أعلاه التي تنصّ بوضوح على أنّ إعداد الميزانية هو من المهمات الحصرية للحكومة، وأنّ عليها تقديمها للمجلس قبل انتهاء السنة المالية بشهرين، وأن المجلس يناقشها بعد تقديمها له بصيغة مشروع بقانون، إلا أنّه من الملاحظ أنّ ما اعتمد في هذا الفصل التشريعي الحالي في دوريه السابق والحالي بعقد اجتماعات تشاورية قبل تقديم الميزانية رغم المخالفة الدستورية بالتأخر في تقديمها، وهذه المشاورات لم تنص أو حتى تشير له أيّ من النصوص الدستورية، علاوة على ما جرى في الدور السابق حين تمّ التشاور حول الميزانية من تمرير بعض التفاهمات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية مخالفةً لما ينص عليه الدستور خاصة في التفاهمات التي أعلن عنها عبر الصحافة بزيادة الدين العام، وهذا يتطلب إقراره بقانون، وهو ما لا يتوافق مع المادة الدستورية رقم (112) والتي تنصّ على: “لا يجوز أن يتضمن قانون الميزانية أيّ نص من شأنه إنشاء ضريبة جديدة، أو الزيادة في ضريبة موجودة، أو تعديل قانون قائم، أو تفادي إصدار قانون في أمرٍ نصَّ هذا الدستور على أن يكون تنظيمه بقانون” وهذا ما تؤكد عليه المادة الدستورية أيضاً رقم (108) “على أن تعقد الديون العامة بقانون”.
فما هى حصيلة تلك التفاهمات سوى زيادة الدين العام ثلاثة مليارات دينار وبمرسومين خلال سنتين، وكما أعلن في هذا الدور أيضاً عن مناقشة ما أطلق عليه اسم مبادرات تتضمن أموراً تتطلب مناقشتها وإقرارها دستورياً قوانين منفصلة لا يجوز مناقشتها أثناء مناقشة أية أمور تختص بالميزانية، خاصة رفع ضريبة القيمة المضافة.
وعلى صلةٍ بمناقشة الميزانية لايغيب على أي متتبع لمجريات العمل التشريعي وما جرى في الفصلين التشريعين الرابع والحالي بخصوص مخرجات عمل اللجان المشتركة لإعادة هيكلة الدعم الحكومي التي تمّ الاتفاق عليها أثناء مناقشة الميزانية وتمرير تلك الميزانيات بعيوبها وعلاّتها بوعود أن يتم تصحيح تلك الاختلالات والعلّات بتفاهمات وتوافقات بين السلطتين عبر اللجنة المشتركة لإعادة هيكلة الدعم الحكومي، والتي استمرت في كلا الحالتين لفترات غير محدودة وعبر اجتماعات ماراثونية، ورغم كلّ ما قيل من تصريحات ذهبت هباء منثوراً بل أن النتيجة الفعلية جاءت معاكسة لما كان يتأمله المواطنون، ففي المرة الأولى في الفصل التشريعي الرابع وأثناء عمل اللجنة المشتركة لإعادة هيكلة الدعم، وبعدها تمّ وعبر العديد من الأدوات القانونية تراوحت بين المراسيم والقرارات الوزارية رفع الدعم عن العديد من المواد الغذائية والمحروقات والكهرباء، ورفع رسوم العديد من الخدمات الحكومية لتُتوج بإقرار قانون ضريبة القيمة المضافة.
ولتعاد الكرة في هذا الفصل التشريعي الحالي، فبالرغم من عمل اللجنة المشتركة لإعادة هيكلة الدعم وكل ما تمّ التصريح به من كلام عن تحسين معيشة المواطنين، تمرر الحكومة للسلطة التشريعية ما أطلقت عليه مصطلح مبادرات تهدف بالأساس جيوب المواطنين وتنبئ بتشريعات تؤدي إلى فرض ضرائب جديدة، وزيادة الضرائب الحالية، ورفع الدعم عن البقية الباقية من الدعوم للمواطنين.
تنصّ المادة العاشرة من الدستور على: ”الاقتصاد الوطني أساسه العدالة الاجتماعية، وقوامه التعاون العادل بين النشاط العام والنشاط الخاص، وهدفه التنمية الاقتصادية وفقا لخطة مرسومة، وتحقيق الرخاء للمواطنين، وذلك كله في حدود القانون”، وبما أن الميزانية تُعنى بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية وهي قانون، وهي المرتكز الأساسي لسياسات المالية ودينامو الاقتصاد الوطني فهل هى متوافقة مع ما تنصّ عليه المادة الدستورية بأن يكون أساسها العدالة الاجتماعية وتحقق الرخاء للمواطنين؟، وأين الخطة المرسومة لتحقيق الرخاء الموعود؟