حديثت اليوم عن رجال كبروا وشاخوا وارتسمت على وجوههم تجاعيد الزمن لأنهم ظلوا يواصلون انتزاع قوتهم وقوت من تبقى على ذمتهم، يقفزون من مهنة إلى أخرى، رجالاً قسى عليهم ضنك الحياة، أردنا أن نسلط الضوء عليهم، علنا نؤثر في النفوس ونُعّرف الناس كيف عاشوا وكدحوا رغم بؤس الحياة وكيف تحدّوا الفقر والعوز دوان أن يعرفوا معنى التحدي. عاشوا على سجيتهم في وهج الشمس الحارقة وصقيع البرد، في بيوت تحت سقوف مثقوبة تتخللها الأمطار، لا يعرفون للعلاج سبيلاً حين يشعرون بالسقم والأمراض التي تتزايد عليهم، يعيشون على أكل المآتم والمساجد والمناسبات، يفرحون للمناسبات التي يوجد بها الوجبات، حيث تغنيهم عن طبخهم المتواضع.
1- عزيز (جيرمن)، كُنّي بهذا الاسم من كلمة (German)، حيث يبيع معدات ألمانية، رجل في الستينات من العمر، يتجول بعربة في الأسواق ومنطقتنا (النعيم)، يصفّ عليها معدات من مفكات ميكانيكية ومفكات مسامير لولبية ومطارق، معدات تايوانية وصينية يزعم بأنها ألمانية الصنع قاصداً متانة جودتها معتقداً أن الناس لم تقرأ هوية صناعتها، وذلك للترغيب في شرائها، يأتي من السوق بشعره المنقوش وثوبه المتسخة، كأنها ثوب حداد ونعاله المقطع لقدمه، حيث يربطه بخيوط يسويه كلما “خلس” من رجليه، وكان كلما أراد أن يحدق يلوذ بوجهه لكونه كريم العين، ومن جسمه تفوح رائحة منفرة، ولأنه كثير المزاح يلزم الناس بالشراء، حيث يقوم بتخفيض السعر بصورة تثير الضحك، وفور تواجده يتحلق أبناء المنطقة حوله، وحين يقولون له هذه صناعة تايوان يرد عليهم: لا تهتم للكتابة هذه صناعة جيرمنية والله.. صدقوني فيضحك الناس لظرافة رده.
2- عباس (التحرير) وسمي بـ (السخاطة)، سمي بـ (التحرير) لأنه على الدوام يستمع للأخبار وخصوصاً أخبار انتصارات المقاومة في الجزائر بقيادة جبهة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي آنذاك، وعندما يثمل من الشراب يصرخ في الشوارع تحيا جبهة التحرير (اليوم قتلوا ثلاثة من الفرنسيين، تحيا جبهة التحرير)، وسمي بـ (السخاطة) لأنه يشتري كحولاً من مصنع محلي (وطني) بالجالون ويقوم بتعبئته في قوارير ﭬيمتو فارغة، وبعد الانتهاء يتبقى القليل في الجالون يقوم باحتسائه، وعندما يخرج قاصداً غسل السيارات وهو يصرخ كعادته تحيا جبهة التحرير، تقبض عليه شرطة النجدة وتسلمه لجهة التحقيق بسبب السكر وماذا يقصد بتأييده بهتافه، وطول الطريق يقول لهم والله العظيم لم أشرب الا السخاطة ويقصد ما تبقى في الجالون، وبما أنهم يعرفون سذاجته يطلق سراحه.
عباس رجل طيب لكن سذاجته كثيراً ما تعرضه لمواقف حرجة ولأنه يبيع الكيروسين، حيث يعبئه أيضاً في قوارير الـﭬيمتو الفارغة، ويقال إنه في أحدى المرات، وكان ثملاً، أعطى امرأة قارورة كحول بدلاً من الكيروسين دون أن يقصد، وعادت وهي تصرخ (سوّد الله وجهك على هذه الفعلة).
3- دلاى وأخوه رحيم، أخوان من أصول فارسية، رحيم الأخ الأكبر كان يعمل في مخبز حلويات في المنامة (الجامع)، في صنع (شعر بنات) والعثبري (حلاوة في أعواد) وحلاوة حلاّل المشاكل، ودلاى الأصغر يعمل في بيع الكحول الوطني، حيث يقوم بتقطير هذا الكحول بنفسه ومن ثم يعبئه في قوارير لبيعه، ومن وقت إلى وقت يضبط من قبل الأمن ويسجن لمدة شهر ويغرّم، لكنه يعاود ممارسة هذا العمل، حيث يجد نفسه رغم هذه العقوبة هو الرابح، وبعد فترة اقترح على أخيه أن يترك العمل في مخبز الحلويات ويعمل معه في بيع الكحول لكي يساعده في توسعة العمل فوافق رحيم على هذا الاقتراح. استمرا لسنوات في هذا العمل حتى توفى رحيم وبقي دلاى.
4- السيد (أبو اللوبة) رجل قصير القامة يأتي باكراً في الصباح راكباً حمار من قرية أبو صيبع إلى منطقة النعيم، يحمل على ظهر الحمار “جفيرين” مصنوعين من خوص النخيل يضع فيهما البقوليات المسلوقة: اللوبة والحمص (نخج) والفول (باقلاء) التي اعتاد أهل البحرين الإفطار عليها، يأتي منادياً: لوبا.. نخج وباقلاء منادياً (تعالوا قبل ما يبرد .. لوبة ونخج.. تعالوا قبل ما يبرد).
عادة تأتي النسوة حاملات قدورهن ويحيونه بحكم معرفتهن به، هذا السلوك وهذه العادات خلقت علاقات طيبة بين السيد وأبناء المنطقة وخصوصاً النساء اللاتي أثرت فيهن طيبته مع مرور الزمن الأمر الذي جعله محبوباً وصار صديقاً لبيوت المنطقة، صار يدخل البيوت ليشرب الشاي ويدخن الغليون ويتبادلون معه الحديث والطرائف، وحين يغيب لمرض أو لطارئ يترك غيابه أثراً في نفوسهم.
هذه نبذة بسيطة عن وجوه طيبة، مرحة. رجال كانوا موضع أحاديث الناس في حياتهم، وظلت ذكراهم حية بعد رحيلهم.