المختل والمحتل
تشغل الصور التي يقدّمها الفنانون حيّزها الجمالي والثقافي بقدر عمقها واحترافية العمل بها، وكأنَّ الله خلقهم لتوثيق الحياة بكل ما فيها، حتى بالقبح الذي يجمَّل تحت أيديهم. وكل تجربة فنية حريٌّ أن يسلط الضوء عليها؛ حتى تأخذ حقها من التحليل والتقييم، ومحاولة فهم الحالة من الداخل، والنتيجة الأخيرة التي تنال الإعجاب من عدمه، وهذا يحصل بطبيعة الحال التي تحددها ذائقة الجمهور.
ويُحسب للبرنامج البحريني “رمضان شريف” الذي يقدم للسنة الثانية على التوالي، تقديم مجموعة أفكار مسلية بالمقام الأول، ثم تندرج -تحت هذه الصفة العامة- المسائل الأخرى التي ترى في الرسالة الفنية عموماً مصدراً جيداً لإيصال فكرة ما، أو تحفيز التفكير فيها، أو حتى أن تكون مسلية لمجرد التسلية، وهو حقّ مشروع لا يشوبه شيء ولا ينقص منه، بل إنه يضمن المشاهدة العائلية وكل الفئات لمعرفة المحتوى مسبقاً؛ أي أنه برنامج ذائع الصيت، وله قاعدة جماهيرية كبيرة توضحها أرقام المتابعين، وعدد المشاهدات، وأيضاً نوعية الملاحظات التي تكتب في خانة التعليقات.
ويقوم البرنامج في الأساس على صانع المحتوى البحريني الشاب أحمد شريف، الذي بدأ من فن المسرح، وانطلق بعدها لمنصّات التواصل الاجتماعي التي أثبت حضوره وفاعليته فيها، حتى أصبح متابعوه بالملايين من دول الخليج والأقطار العربية – كما توضح التعليقات المختلفة في محتواه -، ما يجعله نموذجاً ناجحاً، ليس بالعدد المذكور، وإنما بحجم التأثير الذي اتضح في برنامج “المسباح” الذي قام فيه بالتأليف والإخراج المشترك مع آخرين، وذلك في انتظار حلقاته الأسبوعية في ساعة محددة عبر يوتيوب.
ولأن أساس شريف المسرح – مسرح البيادر بالتحديد -، دعا الممثلين الشباب من زملائه الذين تقال في حقهم جمل الثناء على الأداء المتمكن والقدرة على تجسيد الشخصية بفعل التدريب المسرحي المعمق، واستقطب ممثلين وفنيين من أصحاب الخبرة والأعمال المميزة البحرينية، مثل: إبراهيم البنكي، ومحمد ياسين، وجمعان الرويعي، وعبدالله سويد، ويوسف بوهلول، وياسر سيف، وغيرهم من العناصر المميزة، وهو تقدير نحسبه من الطرفين: شريف وفريقه وهو يستفيد من الأسماء القديرة، وهذه الأسماء التي لا تلقى لها التقدير المناسب رغم عطائها المميز على مستوى الخليج، وتظلّ موهبتها حبيسة ظروف انحسار الدراما البحرينية، حتى في شهر رمضان، ليلحّ السؤال عمّا تغير منذ حقبة التسعينات المتميزة والمشهود لها بالدراما الشعبية التي تقترب من مزاج الناس، ولا زالت الموسيقى والحكايات تشغل الأذهان حتى الآن.
أما عن المحتوى، فهو متنوع، لا يمكن التكهن به إلا بعد المشاهدة، والغالب عليه الحس الكوميدي وبعض المضامين سهلة الاستيعاب، والحدث يسير على مسارين متوازيين: مسار معني بمشاهدة عائلية مسلية خفيفة، كسائر الحلقات ذات القضايا الاجتماعية، والمسار الآخر الذي يرمي بتفاصيله حتى يصطاد متلقيه بعناية ليشرعوا في تأويل ما ألقي في حجرهم! كما جاءت الحلقة المعنونة بـ(C7)، عن المختل عقلياً – كما يصفه الإعلام الرسمي في الإعلان الداخلي -، الذي يحتجز جمهور قاعة سينما بسلاح، ويتحكم عبر ريموت في إنهاء اندماجهم ومتعتهم – وربما غفلتهم – بإيقاف الفيلم وإضاءة القاعة، ليس هذا فقط، بل بأخذ الهواتف النقالة، والتسلية بهم عبر لعبة القيام والجلوس، وموج البحر، في رضوخ تام منهم، دون معرفة السبب، حتى أن أحد الجمهور (أحمد السادة) طالبه بلعبة أخرى من باب التغيير! وحتى حينما قام “المختل” بإسكاته، ردّ عليه الأول بأنه يسانده في الخطف، أو اللعب، أو أي شيء آخر!
لكن توجيه الاتهام للجمهور عبر جملة متكررة لتأكيد المعنى: “تطالعون الفيلم، وتاكلون، وتلعوزون، وتصورون، وتمشون/ الويكند اللي بعده نفس الحجي.. لمتى؟ لمتى بتطالعون ومحد فيكم قاعد يتكلم؟”. والمسألة تتضح بعد ثلث الحلقة المكونة أصلاً من 27 دقيقة فقط، عبر تقنية الفلاش باك، وقبل ثلاث سنوات في طلب المختطف/ المختل من أحدهم النهوض عن مقعده (C7) الذي حجزه وزوجته، لكن محتلّ الكرسي يرفض القيام، ويطالبه بالبحث عن أي كرسي فارغ غير هذا الكرسي الذي وضع حاجاته عليه، والذي يشعر أنه مميز حقاً! لكن الرجل يرفض التغيير بتهذيب، ويطالبه مرة أخرى بالنهوض مراراً عن كرسيه. وفي تصاعد الأمر وتوتر المسألة، يقوم المحتل بصفع الرجل، في حركة غير متوقعة أحدثت نوعاً من الربكة عند الجمهور، والتي سرعان ما تراجعت للمراقبة، مع علو كاميرات الهواتف لتوثيق الحدث، دون التدخل لحل المسألة أو تحريك ساكن، خصوصاً مع الصفعات المتتالية الأخرى، حتى ولو من باب العودة لمشاهدة الفيلم السينمائي.
ينسحب الجميع تباعاً بنفس الصمت الخانع، ويظل هو يتلقى الضربات حتى مع عدم وجود المحتل المادي، وبقي يهذي وهو يتخيل وقع الصفعات المهينة والمذلة أمام زوجته التي طلبت الطلاق، وهو يستجيب ولا يدافع عن نفسه، محاولاً مجابهة القوى الجسدية بحوار عقلاني صحيح، ولكنه ضعيف، وإمكانياته الجسدية وربما الأخلاقية لا تسمح له بردّ الضرب، لكنه يبقى أسير المذلة والمقاومة الكلامية الهزيلة. والموسيقى هنا وتريات حادة، ومتداخلة، تدل على التيه الذي يسكن هذا المنتهك المستباح، وهكذا يعرف المتلقي ماضي هذه الشخصية التي تتصرف على نحو غير معهود. وتجدر الإشارة إلى أن نفس هذه الموسيقى، المؤلفة بعناية، كانت معبرة وموظفة أيضاً في نهاية الحلقة.
والإشارات في هذه الحلقة، بهذه المعطيات المذكورة، لا بد أنّ لها تأويلاً في أذهان من كتبوا هذه الحلقة، وهم بالإضافة إلى شريف: محمد السليطي/ أحمد السادة/ عبد الله الدرزي/ عادل جوهر، خصوصاً مع الجملة التي أقرنها شريف عبر حسابه وهو يضع رابط المشاهدة للحلقة: “إلى كل شخص مضطهد ومسلوب حقه ومغتصبة أرضه في هذا العالم.. أقدم لكم هذا العمل”، وهي جملة مسؤولة جداً، وواضحة أبعادها، حتى في بعض التعليقات التي صاحبت هذا المنشور، والتي حيّت فريق العمل لمساندة فلسطين.
من حق الفنان أن يعبر عن قضاياه وهموم مجتمعه، بالشكل الذي يراه مناسباً للتعبير وإيصال مضمون ما لجمهوره، لكن إذا كان هذا القالب الذي اختاره شريف ورفقائه، فهل وُفقوا في اختيار عناصره كما ينبغي لتحريك وعي ما؟
المتكأ الأول في العنوان غير العشوائي الذي اختير للحلقة؛ فالعنوان في كل الاختيارات الفنية والأدبية يجب أن يكون معبراً عن خلاصة مضمونه. و(C7) غير مألوف سمعاً أو قراءة، وحتى حين البحث عنه تظهر نتيجتان بارزتان: الفقرة العنقية السابعة لدى الإنسان، أو مجموعة الدول السبع لمنتدى سياسي غير رسمي يضمّ كندا وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة وأمريكا والاتحاد الأوروبي، وكلا النتيجتين لا علاقة لهما على مستوى المعنى بمضمون الحلقة المذكورة. لكن يمكن أن يكون هذا امتداد غير مباشر ليوم 7 أكتوبر، وهذا التفسير الوحيد “المفهوم” لهذه التسمية. وعلى حين أن التفسير غير مطلوب من صنّاع العمل، لكن طالما أن العمل صار بين يدي الجمهور، فمن حقه أيضاً أن يؤول كل مشاهد ما يراه بحسب ما يراه!
وبناء على التصور السابق، ومعطيات العمل كما ذُكرت في التفاصيل أعلاه، وكما أكّده بطله خارج السياق الدرامي في رسالته لجمهوره، والتي أكدت وجهته تماماً، فلا يمكن أن يسطَّح لتفسير آخر منخفض عن القضية الفلسطينية بعد جملته على منشور الحلقة. فهل استخدمت العناصر الفنية كما يجب؟ كانت الفكرة مختبئة درامياً، وهي حيلة جيدة لتحفيز الوعي، لكن إزاء ذلك، يتوجب على فريق الكتابة تفريغ الفكرة والاتفاق عليها بشكلها الواضح، ثم تحديد ما يظهر للمشاهدين وما يختبئ؛ بمعنى: ما الموقف الذي أراد الفريق تبنيه تجاه القضية؟ مع، أم ضد، أم محايد؟ لِمَ ظهر البطل كمختل ومجرم خطير يؤذي الأبرياء ويتحكم بهم؟ لكن يُذكر أن تكريس فكرة الإلحاح على الأضعف بالتنازل والقبول بالظلم مُصدَّرة بشكل جيد، وذلك في تكراره لجملة: “ليش تساهمون في صناعة الظالم؟”، رغم محاولة إلقاء التهمة بالكامل على الجمهور السلبي الذي يشاهد ويُصوّر دون تدخل، حتى أصبح شريكاً في الحادثة التي آلت بالبطل إلى هذا المصير، والخنوع الذي أظهروه حين طلب منهم صفع بعضهم البعض دون توقف، وهو يراقبهم بفرح سادي، يجعلك تتساءل: من يمثل هذا المختل حقاً؟ لماذا يتلذذ بعذاب الآخرين، ويستبيح مذلتهم؟ وهل تعرضه السابق لهذا الهوان، يبرر له فعلته؟
أيضاً كان اختيار دار عرض في السينما اختياراً مقصوداً وموفقاً؛ كونها مكاناً للفرجة فقط، دون إبداء أي مشاركة من قبل المشاهدين. فالاحتجاز يكون في الأماكن ذات الجدوى، بينما النتيجة محتومة في مكان لا يراد منه أو من الناس فيه إلا توجيه رسالة وإخبارهم بالقصة التي حصلت، وممارسة بعض العنف والذعر معهم. ولا توجد أي علامات على مستوى الشكل/ المكياج أو الملابس والألوان ما يستدعي الانتباه له، ولو على سبيل تمرير رسالة، ما عدا الفنان عقيل الماجد الذي أخذ دور المحتل ذي الشكل القبيح، وهو إن كان مقصوداً بالمعنى الكليشيه للشرير القبيح ذو الأنف المعقوف الذي نعرفه، فهي فكرة بائدة ومفرطة الاستخدام، ويمكن للمعتدي أن يظهر في شكل وسيم وأنيق، ويمارس ما يريد تحت ظل القانون الذي يتلاعب به مرة، ويبرره مرات أخرى. أما المختل، فيرتدي ملابس عادية باللونين البرتقالي والزيتي، وربما هي إشارة للزيتون والبرتقال اللذين يرمزان في بعض التيارات للتمرد. لكن يظل هذا كله تحت مظلة التأويل المفتوح، طالما لا يوجد مستند واضح يمكن قراءته.
ورغم تسطيح الجمهور كـ(كومبارس) غير فاعل إلا في الفرجة، إلا من ذكروا سابقاً، وزوج مجبر على القدوم للسينما، وفردين فقط قررا التمرد على المختطف وفشلا، وهذه مسألة ملفتة، لكنها مفهومة للتركيز على صاحب القضية الأساسي. لكن المفاجأة أنهم تضامنوا معه حين أتت القوى الأمنية لإرجاعه إلى مستشفى الطب النفسي. وحين طلب منهم الخروج بهتاف C7 وهو معهم، وافقوا بلا ضغط، وهو مشهد يذكر بالمشهد الأخير في فيلم (الإرهاب والكباب) حين تورط البطل بخطف مجموعة من الأشخاص في مجمع التحرير، وخرجوا جميعاً بنفس الطريقة التي شوهدت في رمضان شريف، مع الفارق أن المتلقي في الفيلم تعرَّف على الشخصيات وتاريخها وأبعادها ودوافعها التي دعت إلى هذا التضامن “المبرر”، بينما هنا لا منطق لهذا، وهم الذين كانوا تحت رحمة طلقة طائشة إن خالفوا الأوامر، أو فكروا في التمرد والهروب!
وهذه الأسئلة المباحة والمعنية بالتفاصيل لا تنقص من هذا الجهد المحمود والمُقدَّر حقاً لشريف وفريق العمل الذي يشتغل بجد ودافعية فنية شبابية من أجل تقديم ما لا يتوفر على القناة الرسمية، بل من أجل كمال العمل الفني المميز أصلاً الذي يرفع أبناءه ويقوي رصيدهم عند جمهورهم باستعادة الثقة في المنتج الفني البحريني، وحتى نتبع تعليمات الحلقة في تجنب الجلوس على مقعد C7.
- لمشاهدة الحلقة