الفقر يتزايد والثروات تتراكم

0
39

يعتبر الفقر ظاهرة ذات تأثير سلبي على أغلب الفئات الهشة اجتماعيًا، ويمتد أثره على الفرد والمجتمع ليشكل عبئًا على الموارد والفرص المتاحة، وينعكس على مجمل الحياة الاقتصادية والاجتماعية للأفراد والمجتمعات.في مقال لها، نشرته جريدة الأهالي المصرية، تقول الكاتبة فريدة النقاش، إن العلم فتح أمام البشرية أبوابًا جديدة للتقدم والإنتاج المزيد من الثروة، وأخذ عالميًا يزداد ثراء، ومع ذلك فإنه يزداد أيضًا هشاشة، سعى الفكر الاشتراكي في كل مراحله وممارساته إلى الإمساك بالأسباب الجذرية للتفاوت المتزايد في ثروات البشر رغم الوفرة التي تزداد كل يوم، والتي تواكب، ويا للمفارقة مع زيادة الفقر.تابعنا على امتداد تاريخ البشرية ذلك الصراع الذي لم يكن نادرًا أن يؤدي لإندلاع الحروب، وكانت جذوره غالبًا ما تضرب أرض الانقسام الطبقي، وهو الإنقسام الذي أدى إلى استحواذ فئات قليلة على غالبية الثروات، وبطبيعة الحال استماتت هذه الفئات في الدفاع عن امتيازاتها، وتراكمت عبر تاريخ الإنسانية الأدبيات التي سعت لتبرير هذا الإنقسام، وبرعت في تبريرها حين نسبته إلى الله باعتباره هو الذي قسم الأرزاق، وجعل الأغنياء أغنياء والفقراء فقراء.ولهذا كله اصيب ملاك الثروات بالذعر حين أخذ الفكر الاشتراكي العلمي يكشف عن أصول التوزيع الجائر للثروات داخل البلدان، وبين هذه البلدان وبعضها البعض، وتسبب التراكم الهائل للثروات في أيدي قليلة في تنشيط وتغذية الماكينة الأيديولوجية التي تبرر وتؤكد وجهة نظر اصحاب المصالح .وكما يدلنا تاريخ البشرية فإن الشعوب لم تقبل هذه التبريرات ونشأت الحركات النضالية والفكرية التي وضعت نصب عينيها تغيير الواقع كاشفة عن ما فيه من ظلم وتمييز. ولا تكف القوى المتنفذة على الصعيدين العالمي والمحلي عن مراكمة المبررات، وبخاصة توظيف الدين لتبرير الأوضاع القائمة باعتبارها هي الأوضاع الطبيعية، وكافحت القوى المدافعة عن حقوق الناس، أو بالأحرى حقوق الأغلبية من أجل كشف تزييف الحقائق رافضة الإقرار بأن هذا الواقع هو أمر طبيعي، لأنه من السهل جدًا تقبل الأمر الطبيعي وهو ما اعتاد عليه الناس.ثبت على مدار التاريخ – الحديث فيه على الأقل – أن تغيير الأفكار وهو أصعب الأهداف وأكثرها تعقيدًا في مشروع أي تغيير. كما ثبت أيضًا أن تغيير الأفكار ليس عملًا عشوائيًا أو انبثاقًا قدريًا، بل هو حصيلة تراكمات واسعة النطاق، جرى التفاعل فيما بين مكوناتها وبين الظروف التي نشأت فيها.ولايتم التغيير في الواقع الاجتماعي والسياسي استجابة فردية أو قراءات عشوائية، ولكنه يأتي حصيلة تفاعلات وعوامل كثيرة منها الوعي الموضوعي والذاتي وعلى رأسها التقدم المتواصل للإنتاج، والقدرة المتزايدة للعلم على مواجهة معضلات لم يكن من السهل مواجهتها في سياقات أخرى في الماضي، وطالما راهن ملاك الثروات على تأييد الوضع القائم، وفي كل مرة يتكشف لهم ان خسارة الرهان هي النتيجة المحتومة، لأن كل شيء يتغير وما من ثابت إلا قانون التغير ذاته.ويبقى سؤالنا قائمًا لماذا يتزايد الفقر في العالم، وبالذات في عالمنا الذي يسمى ناميًا بينما تتزايد الثروات ويفتح العلم آفاقًا بلا حدود لمزيد من زياداتها؟وهنا نجد المبرر الأعمق والأصدق لصمود الفكر الاشتراكي بكل مدارسه ومكوناته في مواجهة ما يبذله أصحاب المصالح من جهود وبالذات توظيفهم للدين دفاعًا عن الأوضاع القائمة، ومهما اتخذ دفاعهم من صور ومبررات وحتى قدرة على الامتناع فهم لا يستطيعون الرد على السؤال الأولي والبسيط الذي يسأله الناس: لماذا يتزايد الفقر بينما تتراكم الثروات؟لن يتوقف العاملون والكادحون في كل أرجاء العالم عن النضال من أجل الإطاحة بكل أنواع المظالم، بينما يسعي المفكرون والباحثون الذين يتحدثون باسمهم ويدافعون عنهم إلى كشف الأغوار العميقة – بل الراسخة – لأسس الظلم الاجتماعي الذي هو أحد أهم مصادر الشرور والنزاعات في العالم، وكان هو أحد أسباب بروز الظاهرة الاستعمارية القائمة على الاستغلال المركب للشعوب.ومع ذلك، فإن العالم يتغير إلى الأفضل – رغم كل شيء – إذ لم يكن نضال الشعوب عبر العصور هباء ولا عبثًا، بل كان دائمًا الأساس الصلب للمسعى الشريف للإطاحة بالأوضاع البائسة ومن أجل عالم ترفرف عليه رايات الحرية والسعادة لكل الشعوب.

كاتب بحريني وعضو التقدمي