ولا يزال الاحتلال الغاشم يمارس كامل وحشيته المعهودة بمظاهرها الهمجية، بل ويزيد توحشاً وفظاعة في تنكيله بأهالي قطاع غزة وتهجيرهم وتدمير خيامهم التي أقاموها على الركام المتبقي من بيوتهم المدمرة، لثنيهم عن التمسك بأرضهم ودفعهم للخروج، يشارك في ذلك كل العالم سواء خفيةً أو علناً، فمن الحكومات من يقدم حلولاً جائفة من بعيد وعبر القارات، ومنها من يقدم أراضيه القاحلة لأقامة أهالي غزة فيها، ومنها من يسترسل في التنظير والخطاب، والبعض كأنه لم ير ولم يسمع بما يجري، ومنهم من لا يريد أن يرى أويعرف ماذا يجري، ومنهم من يعتبر أنها قضية لم تعد محورية ولم تعد ذات أهمية. وفي واقع الأمر العالم بأسره متواطئ ويسعى لتنفيذ هدف الاحتلال الرئيسي في إخلاء الأرض من أصحابها (التهجير) أياً كان الثمن، ففي عالم المال يبدو كل ما جرى ويجري أمراً طبيعياً ولا بد من وقود مجاني لتنفيذ المشاريع الاستعمارية، وقود من جثث الأطفال، ودماء الشباب، ودموع الأمهات الثكالى، وتجويع الرضع، وهدم الدور فوق أصحابها وحرق الحجر والبشر والشجر. إنه لحم ودم يا سادة وليس ماءاً، ولكنكم تكابرون في الإقرار بذلك، لأنكم من معدن العالم الذي بتنا فيه، عالم بلا ضمير ولا حسّ إنساني، يقاد من سلطات تفكر بذهنية المال والاستثمار، لا ذهنية الحسّ الإنساني، وكل ما له صلة به من مشاعر وقيم وأخلاق، وإلا فكيف يمكن بأي حال من الأحوال لمن يملك أدنى حد من الإنسانية، أو ينتمي لنوع البشر أن يصمت أو يغض النظر أو يحاول تجاهل ما يحدث في قطاع غزة المنكوب الذي لم تنطفأ نيران الموت فيه منذ نحو عامين، ناهيك عما عرفه القطاع من حروب العدو السابقة عليه، لأن أهله أصرّوا على مقاومة المحتل..ما تشهده غزّة اليوم من فظائع لم يعد يصنف على أنه صراع بين طرفين، معتدٍ ومعتدى عليه، أو حرب أو عدوان فقط، فلا وصف ينطبق عليه سوى وصف الإبادة بأوسخ حالاتها، وسط تواطىء القريب والبعيد، ومظاهر الخذلان غير المسبوقة.


