في ظلّ العدوان الإسرائيلي الأخير ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والذي تمَّ بدعمٍ لوجستي وعسكري من الولايات المتحدة، روَّج الإعلام الصهيوني وصف إيران بـ”الدولة الإرهابية المارقة”. هذا المصطلح ليس جديدًا، بل هو جزء من أدبيات السياسة الخارجية للقوى العظمى لتبرير عدوانها.
ظهر مصطلح “الدولة المارقة” بشكل بارز في التسعينيات خلال عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، لوصف دول مثل كوريا الشمالية وإيران والعراق، التي اعتُبرت معادية للنظام الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة. وفق الرؤية الأمريكية والإسرائيلية، حيث قيل إنّ هذه الدول تنتهك القانون الدولي، تدعم “الإرهاب”، أو تسعى لامتلاك أسلحة الدمار الشامل. لكن الواقع يكشف أن المفهوم يُستخدم انتقائيًا لخدمة مصالح القوى العظمى، إذ تُغضّ الطرف عن انتهاكاتها وحلفائها بينما تُوجَّه الاتهامات للخصوم.
على أرض الواقع، تُعدّ إسرائيل والولايات المتحدة من أكثر الدول انتهاكًا للقانون الدولي؛ فإسرائيل تواصل حرب الإبادة ضد الفلسطينيين، وتقصف غزّة وتدمّر مستشفياتها ومدارسها، وتعتدي على لبنان وسوريا بعيدًا عن أي محاسبة. بينما تستخدم الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) لحماية إسرائيل في مجلس الأمن، وتشنّ حروبًا استباقية تزهق أرواح المدنيين، كما في ضرب المفاعلات النووية الإيرانية.
تعتمد إسرائيل على خطاب “المظلومية” لتصوير نفسها كضحية، مدعيّة أنّ العرب والفلسطينيين يمارسون “الإرهاب” ضدها. هذه الرواية تُوجَّه لأوروبا لتبرير عدوانها، لكنّها تفقد مصداقيتها في عصر وسائل التواصل العالمي، حيث تنكشف جرائم الاحتلال، مما يدفع الآلاف في الغرب للاحتجاج ضد الوحشية الإسرائيلية.
تتصاعد الاتهامات الإسرائيلية الموجهة لإيران بشأن “قصف المدنيين والمستشفيات” في سياق الحرب الدائرة، كما يظهر في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين مثل وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير ووزير الخارجية، لكن هذه الاتهامات تتناقض صراحةً مع الممارسات الوحشية لجيش الاحتلال في فلسطين، خاصةً في غزّة والضفة الغربية، حيث تشنّ جرائم حرب ممنهجة تشمل استهداف المدنيين العزل، وتدمير البنى التحتية، وفرض حصار خانق يمنع وصول الغذاء والدواء.
يدعي القادة الإسرائيليون (مثل نتنياهو) أن دولتهم “ديمقراطية تسعى للسلام”، بينما تُمارس أبشع أشكال العنف الاستعماري. يتهكَّم ترامب لعدم حصوله على جائزة نوبل للسلام رغم دعمه جرائم الحرب الإسرائيلية. هذه التناقضات تُظهر أنّ النظام العالمي الحالي قائم على القوة العسكرية وجشع المال، لا على قيم العدل والسلام.
يمكن القول بأن مصطلح “الدولة المارقة” أداة سياسية لإسكات المعارضين وتبرير الهيمنة. فإسرائيل، برغم جرائمها، تهرب من المحاسبة بفضل هيكل النظام الدولي الجائر. لكن مع صعود الوعي العالمي، أصبحت أكاذيبها مكشوفة. يبقى التحدي الأكبر: متى سيتحرك المجتمع الدولي لوقف هذه الازدواجية؟ حتى ذلك الحين، تبقى المقاومة — بكل أشكالها المشروعة — حقًّا للشعوب المقهورة.


