“بلدة الأقمار” للأديبة جميلة الوطني.. وأزمة المُختلِف بين مُتشابهين

0
53

هل انهمرَ الإلهام موحيًا بتلك القصَّة لأجل الأطفال منذ انطلاق شرارة إبداعها الأولى؟ أم أن اللحظة اجتاحت عقل المؤلّفة بفكرةٍ عميقةٍ تتجاوز ما يحدث في عالم الصغار لتفتح بابًا نحو مرآة سحريَّة في عقولهم تنعكس عليها تلميحات رمزيَّة لما قد يُصادفه المُتميزون النادرون منهم غدًا في عالم الكِبار إن كان قدرهُ أن يحيا بشيء من التميُّز؟ تتساءَل دهشة القارئ الذي تقرأ القصة سطورًا غير مرئيَّة من حكاية روحه، فيكتشف أنَّ الإهداء الموجَّه على الصفحة الأولى “إلى الأرواح التي لا تُشبهُ إلا نفسَها” كان يعرف ما يُريد؛ ومن يُريد.

النصوص الأدبيَّة هي الأخرى كالبشر؛ بعضها أُفقيُّ لا يُرى غير ظاهِره، وبعضُها مُتعدد الطبقات والأبعاد؛ يهبُ كُل قارئ شيئًا مما يُخفيه وراء سِتار الكلمات، ويسمح لكُل روح بترجمة مَعانيه وفق لُغتها الخاصَّة المُنبثقة عن مشاعرها وخبراتها التراكُميَّة.. و قصة “بلدة الأقمار” للأديبة البحرينيَّة د. جميلة الوطني تنتمي لعالم النّصوص التي مسّها سحر السَّرد بعصاهُ ليكون في وضوحها غموضًا لذيذًا يستمتع العقل الراشِد بسبر أغواره، وعلى بوَّابة ذاك الغموض وضوحًا وسهولةً تجعل من صعود الطفل على عتبات أسلوبها هينًا ميسورًا.

بادئ ذي بدء من بدايات الحكاية يبدو أننا أمام أحداثٍ محفوفةٍ بالبهجة، تملأ روح الطفل بالحماسة تقود عقلهُ نحو أفقٍ من الخيال الواقعي المُحبب لنمط الحياة المفعم بالسلام وفاهية النفس في بلدةٍ يُحب أهلها بعضًا، يهتمون بالتعليم ولا يُهملونَ العمل ولا يتجاهلون أوقات الترفيه والمرح، تغرس السطور في ذهن الطفل أفكارًا مُبسطة لا تخطئ الطريق نحو عقله الغض؛ مثل الحث على السير ببطءٍ وهدوء، الذهاب إلى المدارس ثم الجامعة وصولاً إلى هدف العمل والإنتاج مُستقبلاً، التأكيد على قيمة العمل في مهنة مُنتِجة نافعة للمُجتمع مهما كان نوعها، مع إشارة إلى قدرة الإنسان على العمل والعطاء قدر المُستطاع وفق ظروفه وما يواجهه من تحديات، أهميَّة الاهتمام بمشاعر الآخرين وسؤال من تبدو على ملامحه علامات الحزن وبوادر الهموم عمَّا إن كان بحاجةٍ إلى مُساعدة، تعزيز فكرة قضاء أوقات الفراغ في اللقاءات والزيارات الودّية بين الأهل والأصحاب واللعب البنَّاء الداعم للعافية الجسدية والنفسية في الحدائق والساحات، ضرورة اللجوء إلى الأكبر سنًا ولا سيما الوالدين عن الوقوع في مشكلة.. إلخ.

من زاويةٍ أُخرى نرى في القصة جانبًا لا يخلو منه العالم الواقعي للكبار؛ إذ تُطل علينا أزمةً فلسفيَّة عميقة مُسلطة الضوء من طرفٍ خفي على قضيَّة “اللا مُنتمي” في مُجتمع المُتشابهين، المُعضلة التي عاشتها شخصيَّة “الملِك” في مسرحيَّة “نهر الجنون” للمُبدع “توفيق الحكيم” حين شرب الجميع من النهر الذي كان ملوثًا بما أثَّر على عقولهم ما عداه، آلامُ “النبي” التي تحدث عنها “جبران خليل جبران” في آرض الكآبة الصَّمَّاء، ففي “بلدة الأقمار” ذات الوجوه الدائريَّة المُتشابهة التي تحمل أرقامًا لا أسماء بحيث ينادون بعضهم: يا واحد، يا سبعة، يا أربع عشرة، كان الوحيد المُميز يُعامل كمنبوذ! فهو يحمل اسمًا حقيقيًا يُدعى به “نادر”، وهو طفلٌ رشيقٌ طويلٌ سريع النمو، بنيته قويَّة، تصفه أخته بقولها: “يُنجز الأعمال أسرع منَّا، ذكي جدًا، يتكلَّم بكُل فصاحة، يستطيع أداء أعمال لا نستطيع نحن إنجازها… صـ10”.

وكما في مُعظم المُجتمعات التي تسودها أكثريَّة بقدراتٍ محدودة؛ يتحول المُتميز بين المُتشابهين إلى مدعاةٍ للسُخرية وهدفًا للعداء، “نادر” الذي “رفضه الجميع في فصله ومدرسته؛ لأنه كان أكثر ذكاء، وأكثر قوَّة، وأكثر سُرعة من الجميع في المشي والجري، بل يختلف عنهم في كُل شيء… صـ 12″، عندها يجد نفسهُ مُضطرًا – للتعايُش مع مُجتمعه بسلام- للهبوط بقدراته تجنبًا لإثارة حفيظتهم، وتبديد ما يتبقى من تلك الطاقة الفريدة على جوانب سد النقص في حياتهم بدلاً عن استثمارها فيما يعود عليه بنفعٍ أعلى!

إن مُعاناة “نادر” تُذكرنا بمُعاناة “النوادِر” الذينَ يشبعون قهرًا وغبنًا في مُجتمعاتٍ تحتقرهم وتهزأ بقدراتهم لأنها عاجزة عن استيعاب تلك القدرات وفهم معناها، فلا يكون أمامهم إلا خيارين: الفرار من المجتمع بحثًا عن أكسجين التقدير في مجتمعٍ أكثر وعيًا، أو مُحاولة “التعايُش” بإخفاء قدراتهم المُتميّزة عن عامَّة الناس، وتمثيل دور “العاديين” الذين أقصى همومهم الأكل والنوم والثرثرة وربما التظاهر بشيء من البلاهة بين حينٍ وآخر ليتقون شرَّهم! ورحم الله الشاعر أحمد مطَر حين قال: “قال أبي : في أي قطر عربي إن أعلن الذكي عن ذكائه فهو غبي!”

د. جميلة الوطني من القلائل الذين يختارون الانتصار لمبدأ الجرأة في الطرح سواء كان هذا الطرح مُباشرًا أو يهمس همسًا خفيًا ذكيًا لخلايا العقل الباطِن تاركًا لها الخيار، و”بلدة الأقمار” بالصورة المُبهجة لوصف الحياة فيها قدمت صورة المُجتمع التقليدي الأقرب للمثالية الظاهرية، بينما تبحث فيه مُعاناة المُختلفين عن طريقٍ للخلاص.