كنا نتحدث في أحد اللقاءات مع الأصدقاء عن الفيلسوف الألماني “نيتشه” وعن كتابه الشهير “هكذا تكلم زرادشت” وحول أفكاره المثيرة للجدل التي تتعلق بفلسفته اللا أخلاقية، حيث إنه يرى بأن الأخلاق صفة الضعفاء يستجدون بها الأقوياء ليحققوا منافع مؤقتة بمعنى أن الأخلاق عنده أشبه بالتسوّل. وعن فكرته الجوهرية في تمجيد القوة التي تتمحور حول المصلحة الشخصية بصفتها معياراً أوليّاً للحكم على الظواهر.
والقارئ لسياقات الثقافة الغربية وتاريخها الإنتقالي سيدرك بأن “نيتشه” ليس الوحيد الذي ينطلق من تمجيد القوة والمصلحة بل أن هناك كثرٌ قبله وبعده، وأنه ربما امتلك شهرةً لأسلوبه الحماسي وكتاباته الشاعرية التي وظّفَ فيها الأدب والفن مقترِناً بالاستاطيقا (فلسفة الجمال) فهو يبرع جداً في هذا المجال… ويبدو أنه كان مهموماً بالحالة المزرية التي وصل إليها الإنسان الأوروبي قبل الحداثي من فقرٍ وبؤس ما جعله عرضةً لاستغلال السُلطة السياسية والتجارية المتمثلة في البرجوازية وبقايا الإقطاع ورجال الدين الذين كانوا يعملون على تدجين هذا الإنسان عبر تثبيت الوهم وأخلاقيات التذلل والخضوع.
وبطبيعة الحال فإن سلوك المسكنة يعتبر دخيلاً على الحضارة الغربية التي كانت منذ العصر الروماني تمجّد القوة. لم يكن الدين المسيحي وليد هذه الحضارة بل كان دخيلاً عليها أيضاً حين جاء من الشرق عبر “بولس الرسول” الذي حاول ترسيخ مفاهيم الرحمة والأخلاق وأعطاها بعداً ميتافيزيقياً يتجاوز حدود المادة التي تتمحور حولها الحضارة الغربية. طبعت الحضارة الأوروبية الدين المسيحي بطابعها منذ بديات العصور الوسطى فأخذ يسلك طريقةً عدوانية في التعامل بالرغم من سماحته، فكان التعامل مع أتباعه شديداً جافاً ومع المختلفين عنه وخصومه تعاملاً عدوانياً.
ولو رجعنا الى الفلسفة في عصر النهضة والتنوير فسنرى الكثير من الفلاسفة الذين يمجدون القوة والمصلحة من أمثال هوبز وبيكون وصولاً الى نيتشه، وبينتام الذي مجّد النفعية واعتبرها غاية في ذاتها، ووليام جيمس الذي نظّر للبراغماتية التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة في سياساتها، وإن وجد بعض الفلاسفة الذين سلكوا مسلكاً إنسانياً – وإن كان معضمهم لا يرى الإنسان غير الأوروبي ذا قيمة – إلا أن الطابع العام هو ذاته؛ القوة والمصلحة، هذا المناخ العام والفكر السائد كوَّنَ البُنية التحتية لظهور أفكار تنظِّر للنفعية والى اقتصادات تنظِّر للاستغلال والنهب، ولسُلطات دكتاتورية/فاشيّة، فظهور النازية في أوروبا ليست انحرافاً عن مسار الحداثة والحضارة بل هو جزءٌ لايتجزّء منها، وما تأييد الغرب للصهيونية سوى جزء من نمطٍ أكبر يتمثل في الإيمان الكامل بشريعة القوة والإمبريالية والعنصرية لا شريعة العقل والعدالة كما نتوهم.
أحد أهم الزعماء والمنظّرين النازيين “ألفريد روزنبيرغ” على إثر دفاعه عن نفسه في محاكمة نورنبيرغ التي عُقدت لمحاكمة زعماء النازية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية على جرائمهم، يقول: “إن فكرة التفاوت بين الأعراق والتنظير لها عملياً وفلسفياً جزءٌ لا يتجزّأ من الفكر الغربي. وكان قد أشار الى أنه تعرف على مصطلح “الإنسان الأعلى” لأولّ مرة في كتاب الإستعماري الإنجليزي “هيربيرت كتشنر 1850-1916” (وهو عسكري وحاكم مستعمرات بريطاني ويُذكر أنه كان يجيد اللغة العربية)، وأن مصطلح “العِرق المتفوق” أو “الجنس السيّد” من كتابات الباحث الأمريكي “ماديسون غرانت” صاحب كتاب “الأسس العنصرية للتاريخ الأوروبي” 1916م، ففي هذا الكتاب يشرح غرانت نظرية تفوّق عِرق الشمال ويدافع عن برنامج تحسين النسل، وكانت هذه من أهم الأفكار التي ألهمت المشروع النازي.
ويَذكر روزنبيرغ أيضاً: أن رؤيته العِرقية هي نتيجة أربعمِئة عام من البحوث العالمية التجريبية الغربية. حتى هتلر كان قد تأثر كثيراً بالدراسات الإمبريالية/العنصرية التي انتشرت في أوروبا منذ القرن السادس عشر وانتشرت كالمايكروبات وصولاً الى المشروع الصهيوني الذي وظّفَ الشعب اليهودي بصفتهِ شعباً خاصاً أو الشعب المختار الذي حلَّ فيه الإله وبالتالي له حقوق مُطلقة هي في الأساس نابعة من ذات الرؤية الإستعمارية العنصرية.
يرى الدكتور عبدالوهاب المسيري أنه من المهم وضع الإبادة النازية ضمن سياق الحضارة الغربية بحسبانها حضارةً إباديّة لا تتردد في إزالة أيّ عقبةٍ تقف دون تحقيق مشاريعها وخططها، ولا تأخذ القيم الأخلاقية بالاعتبار، وهي التي تعرضت للتفكك والسيولة حتى غابَ الدالّ عن المدلول. ويشير الى وقائع الإبادات المختلفة في التاريخ الغربي الحديث منذ لحظة إبادة الهنود الحمر في أمريكا القرن السادس عشر التي شكلت مرحلة جديدة من الإستعمار متمثلة في إبادةِ شعبٍ وإحلالِ شعبٍ آخر مكانهِ عبر اختيار الجغرافية والبيئة والسردية المناسبة لإقامة مشروع استيطاني عليها.
كتبَ تشومسكي كتاباً مفصلاً عن هذا الموضوع عنونّه: سنة 501 الغزو مستمر، ثم تتالت الحروب الإبادية في فيتنام والبوسنة والجزائر وفلسطين… ويذكر المسيري أن هتلر نفسه كان في أحاديثه الخاصة كثيراً ما يبدي إعجابه بالمستوطنين الأمريكيين البيِض وطريقة معالجتهم لقضية الهنود الحمر. وقد صرّح هتلر في إحدى خطبه أن الحرب التي تخوضها ألمانيا ضد عناصر المقاومة في شرق أوروبا لا تختلف كثيراً عن كفاح البِيض في أمريكا الشمالية. ومن هنا كان هتلر يشير الى أوروبا الشرقية بحسبانها “أرض عذراء” وهذا ربما يقودنا الى تشابه الأفكار عند المشروع الإستيطاني الغربي حيث أن المشروع الصهيوني ذاته يروج الى أن فلسطين “أرض بلا شعب” أو مجرد صحراء ومستنقعات موحشة فكان عبء الرجل الأبيض أن يبنيها ويأخذ المسكين على عاتقه مهمة استصلاح أراضيها وزراعة سهولها بالورود وتحويل الصحراء الى أرضٍ خضراء!
إذن فالإبادة التي ارتكبها النازيون ضد اليهود ليست مجرد حدث لحظي طارئ وجديد على التاريخ الغربي إنما هي نمطٌ عام في الحضارة الغربية الحديثة التي تمجد القوة ومبدأ المصلحة كما أسلفنا.
مع كل ذلك فالإبادة النازية لم تطل اليهود وحدهم وإنما طالت الكثير من العجَزَةِ والأطفالِ المعوقينَ والشيوعيين وأعضاءِ النخبة البولندية وأسرى الحرب، أي أنها فعلٌ إجرامي يمارَسُ لإزالةِ أيّ معوقاتٍ تقف في وجهِ المشروع حتى وإن كلّفَ ذلك إبادةً يروح ضحيتها ملايين البشر وتُدمَّر البيئة وتصبح المُدنُ خراباً. إنها واحدة من الصيَغ الحداثية المرعبة التي وصفها سيغموند باومن “بإعادة هندسة المجتمع” بكل أطيافه بما يتوافق مع المشروع، والأضرار الجسيمة التي ستحدثها هذه الهندسة مهما بلغت سوف تُعتبَرُ أضراراً جانبية في سبيل إزالة العراقيل وعلى ضوء هذه الإزالة/ الإبادة يقاس مستوى النجاح والفشل.
من في يده القوة/الهيمنة والعلم التجريبي منزوعَ القيمةِ والأخلاق يمكنه أن يفعل مايشاء مستنداً على مبدأ النسبية المُطلقة لتبرير أفعاله وجعلها تبدو منطقيةً. هذا جوهر الحضارة الغربية منذ نشأتها وهي على مايبدو متوجهة نحو تغييرٍ كبير لأن شعوبها ضاقت ذرعاً من هذه الأفكار العنصرية وبدأت تأخذ منحاً إنسانياً حقيقياً في نظرها للأعراق والأمم الأخرى.


