يصف المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه “سيكولوجية الجماهير” مدى إنصهار التباينات الفردية داخل الجموع، ليتحول الأفراد إلى كائنات مشحونة بالعواطف، يغلب على سلوكها الاندفاع والجنوح وتفتقر للعقلانية. لكن هل يتلاشى الفرد فعلاً في تشكيل ”العقل الجمعي”؟ أين تنتهي فاعلية الفرد الحيوية وأين ينصهر ويبدأ تأثير الجماعة؟ هذه المساورات التي تناولها لوبون ضمنياً منذ أكثر من قرن، لا تزال عالية الأصداء في عالمنا المعاصر، والذي يشهد تزايداً رهيباً في طغيان تأثير الجماعات على الأفراد.
تؤثر منصات التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام، والأحداث السياسية الفارقة في تشكيل عقل جمعي له سطوته، قادر على التأثير بسهولة في أنماط سلوك الأفراد، وحتى على قرارتهم الصغيرة.
وباعتبار المجتمع كياناً لا يستمد توصيفه على العناصر المادية -المورفولوجية فقط؛ من أفراد ورقعة جغرافية وثروات مادية؛ فهذه المحددات ليست كافية لتعريف المجتمع ما لم تحوي معها عوامل أخرى كالروابط الثقافية والاجتماعية، المندرجة تحت علاقات وتواصل الأفراد في ما بينهم. إذْ تكرس هذه العوامل على إضافة هامش من الأخلاقيات بين أفراد المجتمع الواحد -أشبه- بعقود ضمنية أو علنية إلزامية ،-. فضلا تشكيل نسق معين لتشييد الشخصية القاعدية أو المنوالية لهؤلاء الأفراد والتي تندرج مع التماثلات الثقافية والسوسيومجالية الموحدة، كما تؤسس بوتيرة تدريجية لعقل جمعي يأطر سلوكيات الأفراد داخل معايير يسنها المجتمع. فإلامَ يحيل مفهوم العقل الجمعي؟ وما هي حدود تأثيره؟
نطلق غالباً مفهوم العقل الجمعي ونحن نتلمس أداء ضبط المجتمع. ويفصل عالم الاجتماع الفرنسي ايميل دوركايم الذي صاغ نظرية “العقل الجمعي”، بين العقل الجماعي كشعور خارج عن إرادة الفرد وأفكاره وبين التصور الفردي الذي لا يهب له دوركايم ثقلاً في افتعال الظواهر الاجتماعية. إذْ أن التصورات الفردية تتكاثف بمسببات كثيرة لتؤول لعقل جمعي خارج عن إرادة الأفراد، ما يشكل صداً وإلزاماً لهم. وبالتالي، فإن العقل الجمعي عبارة عن موقف اجتماعي يعجز فيه الأفراد عن التحليق بأفكارهم وقرارتهم مفترضين أن مواقف الجماعة هي الصائبة والجديرة بالإتباع.
وتتجلى فعالية العقل الجمعي في قدرته على إجبار الأفراد على تنفيذ آليات الإلزام والقهر الاجتماعي بوعيٍ أو دون وعي.
وحين نحاول إدراك بنية “العقل الجمعي”؛ سنجده سنجده يتكون من عناصر تبالغ في تقعيد نسيجه، يجذبها التراكم التاريخي للعادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية، تضخيم الرواسب الثقافية، المنظومة العقائدية من إيمان ديني وغير ديني، التأثير اللغوي والحكايات والأمثال الشعبية، الثنائيات حول الموت والحياة والأحداث والتجارب الحياتية، والنظام السياسي والاقتصادي. وتجدر الإشارة إلى أهمية العامل الديني، والتي ما زالت تلعب دورها الحيوي في تركيبة العقل الجمعي -باعتبار الدين أساسا للمنظومة الأخلاقية-.
وتتباين سطوة العقل الجمعي من مجتمع الى آخر، وبين كل من المجتمعات التقليدية والمجتمعات الحديثة، وذلك يعود لتأثير العناصر سالفة الذكر ومكوناتها والافتقار إليها. فالمجتمعات التقليدية تألف جبروت العقل الجمعي سريعاً، بسبب كثافة عناصره ومكوناته. إذْ يلعب تغلغل العادات والتقاليد وقوة الانتماء التي تؤثث بنمط الأسرة الممتدة ونظام القرابة دوراً جوهرياً في طغيان العقل الجمعي في المجتمعات التقليدية، وإجبار الأفراد على الدخول في دائرة الامتثال الاجتماعي، أما في المجتمعات الحديثة فإن الأمر يختلف، لأن توهج العقل الجمعي في هذه المجتمعات يكون خافتا، بحضور ثانوي وعابر؛ ويعود ذلك إلى ضعف العوامل الرئيسية في بنائه، بسبب طبيعة المجتمعات الحديثة التي تمتاز بالاختلاف والتنوع.
ورصد عالم الاجتماع الأمريكي لويس ورث مجموعة من الخصائص التي يتميز بها نمط العيش داخل المجتمعات الحضرية، والت تؤثر بشكل مباشر على صور الفعل الاجتماعي للأفراد. وأهم هذه الخصائص: الفمر المتزن، نفعية المصالح، تنافسية النشاط، تخصص المجال، ثانوية العلاقات، توتر المشاعر وتعدد الولاءات.. وتشكل هذه الخصائص بدورها جسراً لشيوع فلسفة عيش جديدة داخل هذه المجتمعات وهي “الفردانية”، والتي تقاوم بدورها يفرضه “العقل الجمعي.”
ربما ضعف أو غياب السطوة العالية للعقل الجمعي في المجتمعات الحضرية، هو نتيجة محتومة لضعف العوامل المؤثرة في تشكيله الجواني؛ فعامل الدين والعادات والتقاليد، يتماهى بفعل الاختلاف والتنوع اللذين تألفهما المجتمعات الحديثة، وقوة الانتماء تضعف بسبب تعدد الجماعات وبالتالي تعدد ولاءات الفرد لها، إلى أن تصل إلى اندثار كلي للعقل الجمعي -في بعض المجتمعات الموغلة في التحضر-.
وأخيرا فإن العقل الجمعي هو كائن متسلط، ومناهض لأي تغيير، لأنه يملك القدرة على إعادة إنتاج نفسه باستمرار.


