الكتابة بحبر أسود لحسن مدن: كتاب أشبه بمكتبة

0
169

الكلمات والجُمل بالحبر الأسود توالت في سطور متتالية على صفحات بيض، نابضةً حيّة، ينبوع متدفق من المعلومات. هذا ما لحظته واستخلصته من كتاب حسن مدن (الكتابة بحبرٍ أسود) الصادر عن دار مسعى للنشر والتوزيع في طبعتين، الأولى في عام 2015، والثانية، وهي مزيدة، في عام 2016. شدّني الكتاب لأعيد قراءته من جديد لما له من أهمية وفائدة جمّة للقرّاء والكّتاب على حدٍّ سواء وما أعادني لقراءته مرةً أخرى هو كتاب انتهيت من قراءته للتو لآذر نفيسي (ذلك العالم الآخر.. نابكوف ولُغز المنفى).

في الكتاب موضوعات عديدة تحفّزك على قراءتها بفضولٍ وبشغف، نجح الكاتب في تبويب محتويات الكتاب، حيث قسّمها بحرفية فائقة، الأول عن الكتابة والثاني عن الكاتب والثالث عن الكتب والرابع عن القراءة.

بأسلوب شائق، غير اعتيادي، وبدقته المثيرة للإعجاب يقدّم لنا مدن مجموعةً من الأفكار بدءاً بكيفية الكتابة، أي كيف نكتب الجملة الأولى وانتهاءً بكيف نقرأ وماذا نقرأ ليبحر بنا لشطآن كتّاب ومفكرين وشعراء عظام مثل عبد الرحمن منيف، ناظم حكمت، بوشكين، المتنبي، المعري، بابلو نيرودا، بلزاك، جي ميلر، رسول حمزاتوف، فرانز فانون، غابرييل ماركيز، تشيخوف، غوركي، غوغول، إيزابيل الليندي، سلامة موسى، ديستويفسكي، تولستوي، ميلان كونديرا، آرثر رامبو، جوزيه ساراماغو، هيرتا مولر، رضوى عاشور، فيكتور هيغو، تشارلز ديكنز، بول سارتر، ريجيس دوبريه، وليام فوكنر، برنارد شو، مو يان، نزار قباني، كافكا، مارت روبير، فردريك نيتشه، باسترناك، سولجنستين، توماس مور، شكسبير، دانتي، فرجينيا وولف، أنانييس ين، ألبرتو مانغويل، أوسكار وايلد، أندريه جيد، بروست، أمبرتو إيكو، ألبرتو مورافيا، فاتسلاف هافل، دانيال بنك، إدواردو غاليانو، جورج لوكاش، آرنست همنغواي، هنري ميللر، باولو كويلو، جورج أورويل، بورخيس، محمود درويش، غالب طعمة فرمان، نجيب محفوظ، إحسان عبد القدوس، حنا مينه، طارق علي، لطفيّة الدليمي، إلياس خوري، جابر عصفور، أبي حيّان التوحيدي.. والقائمة تطول وتطول من روائيين وشعراء ومفكرين وعلماء لا حصر لهم.

نـحن إذن أمام كتاب أشبه بمكتبة وليس كتاباً، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار كلّ هذا العدد الهائل من الكتّاب والمبدعين الذين التقى بهم ونقل عنهم حسن مدن وأخذ منهم كل قول مفيدِ كما يقال، حيث وظّف الكاتب هؤلاء الكتاب ليعرضوا آراءهم لنا بشكل سلس في مختلف المجالات المتعلقة بالكتابة الأدبية وطقوسها المختلفة، فليس من المستغرب أن من يقرأ لهؤلاء الكتاب والمفكرين لابد وأن يكون موسوعي الثقافة مثل حسن مدن، الذي جمع كلّ هؤلاء الكتاب والمفكرين والفنانين في كتاب؛ حياتهم، أحوالهم، أقوالهم، طرائفهم، نتاجاتهم الفكرية والأدبية والفنية، كيفية كتابتهم لكتبهم والباعث والمحفز للكتابة وطبيعتها ومتى يكتبون وبأي طريقة …الخ

كثير من الأسئلة طُرحت في هذا الكتاب مثل: من هو الكاتب؟ ولمن يكتب الكاتب؟ ومتى يتوقف الكاتب عن الكتابة؟ يجيب مدن على هذه الأسئلة جميعاً من خلال قراءاته الموسوعية التي أسعفته في بيان حلّ كل تلك الألغاز في الكتابة وفهم طبيعة الكاتب ومقدرته على الكتابة بمختلف الأساليب لتوصيل ما يجول بخاطره لقراءه ليقول: “روح الكتابة هي روح الكاتب في اعترافاته وتدفقاته التي تنساب أمامنا ونحن نطالع نصّه” وهنا يستشهد بفلاسفة وكتّاب حول هذه المسائل مثّل الفيلسوف الألماني نيتشه.

“أصعب ما في أمر الكتابة هو وضعُ الجملة الأولى” كما يقول مدن، وهو الكاتب المخضرم من الطبيعي أن يعرف دهاليز الكتابة وأبواب ونوافذ الدخول إلى “الجملة الأولى، التّوطئة، الإشارة الأولى التي ينطلق بعدها السياق”، على حدّ تعبيره، ثمّ  يعرج الكاتب على الباعث من الكتابة من خلال شهادات لكتّاب مرموقين أدلى كلّ منهم في مجاله بشهاداتهم عن مصادر الكتابة إلابداعية لديهم كجراهام جرين وخورخي أمادو، نيرمان ميللر، غابرييل ماركيز، أرسكين كالدويل.

نالت إيزابيل الليندي حيّزاً كبيراً في هذا الكتاب من خلال استشهاد الكاتب بها في كيفية عملها الدؤوب والمضني في الكتابة يومياً ولساعات طوال، حتى تتمكن من تشييد كتل البناء السردي، وهي التي أنجزت العديد من الروايات.

يبحر بنا الكاتب إلى أنواع الكتابة، كالكتابة للشفاء، حيث يرسم لنا لوحة عن هذه الخاصية من خلال كتّاب انعزلوا أو اختارو العزلة للكتابة وأعطى أمثلة على ذلك، مارغريت دوراس، للألم ايضاً صلة كما يقول ويستشهد بجان بول سارتر الذي يقول “إنّ الانفعالات تعتمل في الجسد فتحدث به ما يفعله السحر”.

كما أن الكتابة كانت ملجأ لمقاومة المرض، وأعطانا مدن أمثلة على ذلك، شاعرين مهمين، ممدوح عدوان وأمل دنقل ويضيف اليهما بدر شاكر السياب أثناء محنته مع المرض، كما أن نوبات الصرع التي ابتلى بها دوستويفسكي كانت سبباً في مخصّبات الخيال الروائي والإبداعي لديه.

للنساء حضّهنّ في هذا الكتاب الماتع من خلال تسليط الضوء على كيفية الكتابة لدى المرأة من حيث اللغة الخاصة بهن فيقول “في الإجمال فإنّ الكتابة فعل إنسانيّ غير محصور في جنس مَن يكتب، رجلاً كان أو امرأة، وإنّما يرتبط بقيمة الإبداع الفنّية، لكن هذا لا ينفي الخصوصية المرتبطة بانعكاسات جنس الكاتب وآثار الاختلافات السّيكولوجية والظّروف الاجتماعية على عملية الكتابة.

حسن مدن في هذا الكتاب وغيره يقدّم أسلوبه الخاص في الكتابة، وهو أسلوب فريد في بنائه الفني من الصور، وبما يتميز به من إنسيابية وموسيقية صياغاته المختلفة، فاللغة التي يصيغ بها كتاباته ليست مجرّد أداة تعبير، بل شيء محسوس مادي بالطريقة التي تصل للقارئ بسهولة ودقّة.

أنصح من يودّ أن يتعرف على الكتب والكتّاب ليؤسس مكتبة جديدة أن يقرأ هذا الكتاب ليتعرف على كتاب كبار كان لهم دور ريادي في إتحاف البشرية بالعلم والمعرفة والأخذ بيدها نحو التقدم والتطور والنماء.

كتاب جميل يستحق الكتابة عنه أكثر من مقال لما له من قيمة أدبية عظيمة.