في أزمنة الحروب تكثر الهجرات نحو أصقاع الدنيا، يغادر المهاجرون أرضهم وأغلب ظنّهم أنها أيام قليلة ويعودون إلى الديار، لكن الأيام تمتد إلى شهور والشهور إلى سنوات وبعضهم إلى طول العمر، وفي البلاد التي يهاجرون إليها يشعرون بالوحشة بادئ الأمر والعزلة، ثم تتكاثر بيوتهم وتتجمع في عزلتها لتشكل أحياءً منهم تذوب بمرور السنوات في المجتمعات المحلية فتختلط العادات واللهجات والسحنات والأعراق.
خلافاً لكل الهجرات الأخرى فإن الهجرة في أزمنة الحروب هي هجرة القلب، هجرة جوهر الإنسان لأنها تأتيه على غفلة، تدفعه إليها مشاعر الخوف المروعة وغريزة البقاء، والتوق للأمان الذي يجده في بلاد المهجر حتى لو صاحبه رفض أو تحيّز ضده من المجتمعات المحلية، إلا أنه أمان له طعم غالي وخاصّ، حصل عليه بعد خوف هائل ورعب حقيقي على حياته وحياة أحبائه ومصيرهم.
هجرة أزمنة الحروب هي أكثر الهجرات تغييراً للمجتمعات المهاجرة والمحلية لأنها، وعلى الرغم من أنها تأتي قسراً خلافا لبقية الهجرات كطلب العلم والعمل، تحرك في الإنسان الحاجة لمحاكاة المجتمع الجديد والبيئة من حوله بشكل أسرع ليتمكن من العيش وتدبر أمره، وهذه الحاجة نفسها هي ما تجعله يؤثر في المجتمع المحلي ويضيف إليه من عاداته لأن الغالبية العظمى من مهاجري أزمنة الحرب يبدأون بالأعمال الهامشية التي تحتاج لمهارة الإنسان الأولية الجسدية والتجربة الحياتية اليومية في الأسواق والشوارع، فينقل للمجتمع الجديد حركته وطريقته في التفكير وتسميات الأشياء، وهكذا يكتسب الاثنان صفات من بعضهما، وتطول السنوات فيذوبان ويختلطان ببعضهما البعض.
أفكر في هذا كلما تعمقت في دراستي للغة الإيطالية، وزادت معرفتي بالمجتمع الإيطالي، يوماً بعد يوم، وملاحظتي للشبه الكبير جداً بين الإيطاليين وشعوب المجتمعات اللاتينية، الذي يفوق بكثير الشبه بين الإسبان واللاتينيين، حيث غزا الأولون أمريكا اللاتينية ونقلوا إليها دينهم ولغتهم. فيما مرّت بإيطاليا الحديثة حروب عدة ودكتاتوريات مريعة دفعت إيطاليين كثر للهجرة إلى أمريكا اللاتينية، جاءوها فارين من الحرب وطالبي أمان، فانصهروا في المجتمعات المحلية بسلاسة وسلام ومنفعة متبادلة، فحدث لهم تغيّر جوهري في الروح والتفكير، وأحدثوا مثله في المجتمعات اللاتينية، على عكس الإسبان الذين وصلوا إلى القارة الجنوبية بغطرسة الفاتح الغازي، الذي فرض على من غزاهم لغته ودينه وطريقته في اللبس والسكن، وقدّمهم للعالم بالصورة التي تلائمه، مجبراً إياهم على أن يتعاملوا مع العالم على أساسها.
الشبه بين المجتمع الإيطالي والمجتمعات اللاتينية روحي؛ يتشابهون في تعاملهم مع الدين وإيمانهم بالقديسين والمعجزات والأساطير، ابتداع أعياد دينية كرنفاليه من تواريخ ميلاد ووفاة هؤلاء القديسين والقديسات وجعلها مناسبة لابتكار أطعمة جديدة ورقصات وأزياء، واستثمار الشباب لهذه الأعياد كمواسم للتجارة وصناعة العلامات التجارية، ويجمع بين الروحين أيضاً الميل للاستمتاع بالحياة وصناعة الفرح؛ فمواسم حصاد الزيتون في إيطاليا عيد وصناعة النبيذ في كل مراحلها موعد مع الطقوس واجتماع احتفالي للمزارعين والعاملين.
وتتشابه الروح الإيطالية مع الروح اللاتينية في الحميمية الفوضوية في الشوارع، خاصة كلما تعمقنا في الجنوب الإيطالي كالحديث بصوت مرتفع، والتسكع الطويل في المقاهي، ومغازلة النساء والجلوس على عتبات البيوت وزوايا الحارات، والوقوف على الشرفات لتبادل التحايا والأخبار بين الجيران، وترك الملابس لتجفّ على الحبل في فيّها، وتدلي السلال من الشرفات لتوضع فيها الأغراض، كما تشترك الروحان الإيطالية واللاتينية في تقديس العائلة الممتدة، والمشاريع الجماعية التي تحمل كنية الجد، فالناظر للاقتصاد الإيطالي يلاحظ أنه يعتمد على المشاريع التجارية العائلية وليس على الشركات الخاصة أو الحكومية، فأشهر المنتجات الإيطالية هي ماركات تحمل اسم أو كنية عائلة.
يظهر أثر المهاجرين الإيطاليين في طريقة نطق سكان أربع دول كبرى للغة الإسبانية هي الأرجنتين، الأورغواي، البارغواي، تشيلي، وفي طريقة نطقهم، حيث أضافوا إلى الإسبانية في تلك الدول اللحن الصوتي الذي تميزت به الإيطالية، واختلطت ضمائر اللغة الإسبانية فيها بضمائر اللغة الإيطالية، وشاعت التسميات الإيطالية العامية في حياتهم اليومية، وحتى في عادات الطعام أصبح الفطور الإيطالي المتكوّن من المخبوزات الحلوة والقهوة هو الفطور الشعبي في تلك البلدان، كما اختلطت الموسيقى التي هاجرت مع الإيطاليين لأمريكا اللاتينية مع الموسيقى المحلية لتولد أشهر أنواع الموسيقى ورقصات التانغو والسالسا.
وجه شبه مهمّ آخر بين الروحين يتمثل في الميل لليسار والاهتمام بقضايا المهمشين والمظلومين في أنحاء العالم، والنضال من أجل العدالة، ما يفسر الثقافة الغنية لشعوب تلك البلدان واطلاعاتهم السياسية الواسعة.
نخلص من هذا إلى أن هجرة الإيطاليين الفارين من الحرب والدكتاتورية الى أمريكا اللاتينية أحدثت ثراءاً إنسانياً فنياً وأدبياً وروحياً، تفوق تأثير المستعمر الإسباني لبلدان القارة واستيطانه فيها، واليوم والعالم يتاجر بالحروب ويستثمر في الدكتاتوريات ويعادي المهاجرين عليه أن يتذكر أن الهجرة هي جوهر الحياة.
وعن المشقّة النفسية والجسدية التي يلاقيها المهاجرون أترجم مقطعاً من قصيدة للشاعر الفنزويلي فيسنتي جرباسي كتبها تكريماً لذكرى والده المهاجر الإيطالي من جحيم الحرب طالباً للأمان في أراضٍ بعيدة: “شبابك نادى مدن العالم/ الرياح التي تعصف في وجه الشواطئ القديمة/ الناس الذين يعيشون في المناجم المعتمة/ البحارة الراقدين أسفل المعابر البحرية/ أنت المسافر، المؤرق، التعس/ من يرفع الأيادي تجاه البرق/ من شاهد الخلجان تمر؛/ كشاطئ حزين هادئ وضبابي/ تعرف كيف تحتمل البعد، دائماً من القلب/ تعرف كيف تصل إلى هناك/ وأنت هناك، المجهول، الأسود/ ملقيّاً في حرّ الليالي/ مثل الحقائب، مثل البراميل/ في حافة السفن العظيمة”.
وهذه قصيدة أخرى أترجمها للشاعر الإسباني ألبيرتو كروز كتبها أيضاً في ذكرى جده الذي هاجر من إسبانيا الى أمريكا الجنوبية بحثاً عن مستقبل أفضل: “الجدّ في يومٍ ما/ شاباً صغيراً كان/ هناك في مدينته غاليسيا/ تطلّع إلى الأفق/ وفكّر ربما يوجد طريق آخر/ وإلى الرياح الشمالية/ صديقته القديمة/ أخبر نسماتها بأفكاره/ عرض عليها أياديه الطيبة القويّة/ كانت فارغة/ الرياح أجابته:/”أنا حياتك خلف البحار يا ليندي غاليسيا”/ الجدّ في يومٍ ما/ في سفينةٍ قديمة/ غادر إسبانيا/ مثل العديدين سواه/ بكثيرٍ من الأمل/ والصورة العزيزة/ لقريته العتيقة/ بجبالها/ حملها منقوشةً في أعماق الروح/ عندما حمله القارب القديم/ بعيداً عن إسبانيا”.


