مدرسة إبراهيم الجمري

0
222

سيظلّ مجلس عائلة الجمري القديم راسخاً في ذاكرتي، إنّه المكان الذي كان فيه رفيقنا طيب الذكر إبراهيم الجمري حاضراً بروحه المعرفيّة الممزوجة بالفكاهة الجادة الناقدة، إنّه المكان الذي تشكّل فيه وعينا السياسي وانحيازنا للفكر الإنسانيّ الحداثيّ التقدميّ، حين كنّا نلتقي خلال إجازات المدرسة النظاميّة الصيفيّة في حلقات نقاشيّة حول مسائل الكون والمجتمع، هذا المكان كان بحقّ مدرسةً للمعرفة، مادتها الأساسيّة المجتمع والإنسان، ومنهجها قوانين الديالكتيك، أستاذها إبراهيم الجمري، تلاميذها شباب من القرية، فسحتها تمرٌ وقهوةٌ عربيةٌ وصوت فيروز الجميل الذي كان يعشقه أبو خليل.

أعتزّ وأفتخر أنّي قد تخرجت من هذه المدرسة بعد أن قرأتُ مؤلفات سلامة موسى، ونوال السعداوي، وجورج حنا، و”قصة الإنسان”، و”الحارثيات”، ومكسيم غوركي، و”كيف سقينا الفولاذ”، وغيرها من المؤلفات، وعرفت ألف باء السياسة، وحبّ الوطن والناس، وتعرفتُ على قوانين التحولات الكميّة إلى كيفيّة، ووحدة وصراع الأضداد، ونفي النفي، فكان أبو خليل هو معلمي الأول في خطوتي الأولى نحو الحبيبة الوطنية، ولم يكن الوصول إلى هذه الخطوة من السهولة عند إبراهيم الجمري، فهي تأتي بعد امتحان صعبٍ طويلٍ يمرّ فيها الرفيق، فهنيئاً لكلّ من كان محظوظاَ ونال شرف هذا الانتماء الوطني على يد المناضل إبراهيم الجمري القويّة المفعمة بالحرارة الرفاقية.

وحين غيّبنا زائر الفجر عام 1986، وانكسر وضعف انتمائي، كان أبو خليل هو أولّ من أعاد لي روحي الوطنية وشدّ من أزري، واقفاً الآن بثبات في التقدمي محاضراً معتزّاً بالإنتماء إليه، سلمت روحه الظاهرة النقيّة، وسأظلّ وفيّاًّ لوصيته بصون وحدتنا التقدمية وبما كان يؤمن به من فكر نيّر أنار لنا الظلام.