عباس مزعل يكتب سيرة الدكتور عبدعلي حبيل

1
146

ضوء من سترة

“ضوء من سترة” ..  اختيار موفق لكلمة “ضوء”، كعنوان يليق بشخصية بارزة في المجتمع ، ففي كل منطقة بحرينية هناك أضواء عدّة تنوّر المنطقة وأجيالها، والدكتور عبدعلي حبيل ضوء من أضواء أنارت جزيرة سترة، فما أن تُذكر سيرته حتى يبتسم الحاضرون حبّاً له  وتقديراً لأثره وبصماته.

العثرة الصعبة التي واجهت مؤلف الكتاب عباس مزعل أثناء جلساته مع الدكتور حبيل لتوثيق سيرته هي ذاكرته الضعيفة، نتيجة إصابته بجلطة دماغية أثرت على مركز الذاكرة، لكن بالجِدّ والجُهد من الدكتور والكاتب وأبنائه أثمر ذلك مادةً تستحق الثناء.

بدأ الكتاب بتعريفٍ موجز بتاريخ المنطقة، وأصل مسميات قرى جزر سترة، معرجاً على ما فيها من زراعة وبساتين، ومهنة الصيد وفنونه عند أهلها المعروفين بعلاقتهم بالبحر، وعن ذلك قال: “لا تكاد تغيب عن البحر في صبحك ومسائك في قريتي، ولا يخلو بيتٌ من بحّار”.

ومن النخلة والبستان إلى عمق الجذور، جذور آل حبيل، وعودة إلى شجرة العائلة بالجدّ المؤسس الشيخ محمد حبيل، ومسقط رأس العائلة “مهزة” والتي سميّت لشهرتها بنخيل “المهز”، وعينها التي يتموج ماؤها ليحدث اهتزازًا طبيعيًا خلابًا، واختار الكبار قرية “سفالة” موطنًا جديدًا للعائلة، وهي عادة قديمة أن يستوطن الرجل بلد زوجته لاستقرار نفسه واطمئنانها، ولم تكن “سفالة” بعيدة عن “مهزة”، فامتلك الجدّ أرضًا واسعة وبنى بيتًا ليضمّ أسرته،  وأصبح البيت لاحقًا مقصد علّية القوم من زوّاره.

وُلِد محمد حبيل، والد الدكتور عبدعلي،  في سنوات الحرب العالمية الأولى، فترة مزعجة عاشتها البحرين كما الدول جميعها، تصل الأخبار إلى الجزيرة، بعضها حقيقة والأخرى كاذبة، والأخيرة هي الأكثر والأوسع انتشارًا، كما انخفضت التجارة وتأثر الاقتصاد بسبب الحرب.

الخير على السيف في قرى سترة، وألف أهلها البحر، بل كأنّ أهل الجزيرة خلقوا للبحر وخيره، فكانت هذه مهنة الحاج محمد التي ورثها من أخواله والقرية المباركة، فأصبح بحارًا ستراويًا.

رفيقة درب الدكتور وابنة عمه زليخة بنت إبراهيم لا تفارقه لتنعش ذاكرته للحديث عن الحكايات والأحداث الغائبة عن الذاكرة، وتذكر الابنة رحاب دعاء جدتها: “يا الله ب ١٧ حجة”، وتقوله حين تشتد مشاغبتهم في فترة سنواتهم الصعبة وهي أيام دراسة الأب، الجدة هاشمية التي يتجسد الحنان معنى لها، فجاء موتها حزنٌاً وفراقها ألماً.

وُلِدَ الدكتور في (برستج) بمنطقة “التوابع” في القرية، تعلّم الخط من الخبرة الحبيلية، ومن أبيه على وجه الخصوص، الذي كان معلّمه الأول ثم المعلمة سعدى بنت رضي في مهزة، ثم فاطمة بنت عبدالله في قرية سفالة، قبل أن يلتحق بمدرسة سترة الإبتدائية في سنّ العاشرة. أنهى الدراسة بتفوّق، ثم انتقل إلى المدرسة الغربية بالمنامة في النصف الأول من خمسينيات القرن الماضي، أي قبل إنشاء جسر سترة، فكان السكن الداخلي هو “الجنّة” للمجتهد الفقير ابن القرية الذي لم ير سوى البحر والشقاء في سنينه الماضية، السكن الواقع في المنامة كان، يومها، أكبر بيت من نوعه في الخليج، وعاصر الدكتور ما شهده عقد الخمسينيات من تحرك شعبي ضد القوات البريطانية، ونقاط التفتيش التي كانت مصيبة فوق مصيبة سائقهم المتهور، مشيراً إلى ما واجهه هو وزملاءه من نظرة مجتمعهم القروي الذي كان يحثّهم على ترك مقاعد الدراسة والعودة للعمل في الزراعة.

عاد إلى ملاذه العلمي الأول بعد تخرجه، إذ عيّن مدرّسًا في مدرسة سترة الابتدائية، فساهم في تطوّر تعليم أبناء الجزيرة، حتى قرر أبيه تزويجه في بداية الستينيات من ابنة عمه زليخة، وبعدها أكمل مسيرته المهنية والتعليمية وإثراء الطلبة والسؤال عن أحوالهم وتحصيلهم الدراسي.

بدأ مرحلة دراسية أخرى في فترة الطفرة التعليمية للبحرين، فبعد الثانوية وإنجابه لأحمد وسلوى، انتسب إلى جامعة بيروت العربية لإتمام تعليمه الجامعي، فرأى لبنان بلد الغرائب والانفتاح دون تعصب،  وهي الخصلة التي عاد بها من هناك  الى البحرين: نبذ التعصب.

تعيّن بعد تخرجه معلماً في مدرسة مدينة عيسى ثم مديرًا مساعدًا في جزيرة “أُكُل” التي سميت بالنبيه صالح، والتي تبعد حوالي ربع ساعة عن سترة، وهنا الكثير من القصص والحوادث التي حصلت في المدرسة مثل قصة أم عمار حافية القدمين وابنها المتسرب، وقصة ختان أحد ابناء المدرسين والوليمة في المقام الصالح.

دَرَس بعدها عند الشيخ محمد صالح العريبي ولازمهُ ليتجاوز خشونته، ثم عند الشيخ حسين الجزيري لإكمال الشرائع في حوزته في مسجد آل حبيل، وشارك الشيخ منصور الستري في بعث التراث الفقهي ونشره. كانوا يحفرون بمعاول الوقت للحصول على المعلومات ونشر العلم.

ثم انتقل إلى المحروسة مصر، لدراسة الماجستير في القاهرة، فترة  فارق فيها أبنائه وزوجته أم احمد التي تحملت عبئًا ثقيلًا في التربية، ويروي كيف تعرضت الشقة التي سكن فيها مع أربعة من أصدقائه للسرقة، أيام جميلة ختمها بنيل الماجستير، وعاد إلى أولاده ليعوضهم ما فات.

تأخر عن استكمال الدراسة لنيل الدكتوراه بسبب مرض ابنه عادل حيث كان يمشي في طريق العمى، فما كان أمام  حبيل إلا أن يكافح من أجل شفائه، مرواً بأيام صعبة لكنها انتهت بفرح.

نال درجة الدكتوراه في عام ١٩٩١ بتقدير إمتياز، وكانت فترة دراسته في القاهرة هي فترة دراسة إبنته رقية في البكلاريوس، حيث تزامل الإثنان، الأب وابنته، في الدراسة بالقاهرة.

انطلق حبيل في مشوار آخر في سوق العمل، وشارك في عدّة  مؤتمرات في عددٍ من الدول العربية والأجنبية، متوجاً مسيرته العلمية والمهنية التي اتسمت بالتفوّق المتميز، وبتأليف عدد من الكتب منها ما نشر، ومنها ما لم ينشر بعد، ولعلّ أبرز بصمات حبيل يحكيها أهل سترة وخاصة عائلة حبيل العريقة هي نشأة  مؤسسة آل حبيل للأعمال الخيرية، للاهتمام بشؤون العائلة، التي خاض معارك من أجل تأسيسها، حتى تمّ  نشرها في الجريدة الرسمية إشهارها في ٢٠٠٩.

يبدأ فصل جديد من حياة الدكتور عبدعلي، تمثّل في مجاهدته للمرض الملازم للتقاعد عن العمل والنشاط الاجتماعي وممارسة الهوايات، فكانت البداية جلطة قلبية في نهاية التسعينات، ثم ورم في الكلية اليمنى في ٢٠١٨، فالجلطة الدماغية التي يعاني من أثرها حتى اليوم وخاصة في مركز الذاكرة التي تُلِف منها الكثير من الذكريات وبقي القديم منها.

1 تعليق

Comments are closed.