في ظل استمرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ضد الطوائف والأقليات في سوريا، وخاصةً العلويين في الساحل السوري والدروز في محافظة السويداء، يتجدد النقاش حول جذور هذه الإشكالية وسبل حلها في العديد من البلدان العربية.
لطالما طُرحت إشكالية “التعددية” في العالم العربي والإسلامي بوصفها مصدرًا للأزمات، وكثيرًا ما يُحمَّلُ التنوع المذهبي والطائفي والعرقي، وحتى السياسي، مسؤولية التوترات والانقسامات. غير أن نظرةً فاحصةً إلى التاريخ والواقع تكشف أن الاستبداد هو الجذر الحقيقي للأزمة، لا التعدد.
التعدد في حدِّ ذاته ليس أزمة، بل هو سُنَّة كونية وفطرةٌ إنسانية. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13]. لا يوجد مجتمع بشري متجانس تمامًا. فقد تعايشت طوائف ومذاهب وعرقيات مختلفة في العالم الإسلامي قرونًا طويلة، بل وشكَّلَت غِنًى حضاريًّا وثقافيًّا فريدًا. بغداد العباسية وقرطبة الأندلسية كانتا مثالًا حيًّا على إمكانيات الازدهار في ظل التعدد.
الاستبداد السياسي هو المرض الأصلي الذي يحوِّل التنوع الطبيعي إلى لعنة. يقول عبد الرحمن الكواكبي: “الاستبداد يُفسد الأخلاق، يمحو الفضائل، ويُحيي الرذائل”. فأنظمة الحكم الشمولية، بدلًا من أن تكون حَكمًا نزيهًا بين المكونات المختلفة، تتحوَّل إلى طرف في الصراع، فتغذي التعصب الطائفي وتوظفه ورقةً سياسيةً لضمان بقائها. وهكذا يصبح التعدد المذهبي سلاحًا في يد المستبدين، بدلًا من أن يكون مصدرًا لقوة المجتمع.
ولا يقتصر الخطر على الأنظمة السياسية فحسب، بل يمتد إلى البُنى الاجتماعية التقليدية التي تكرس الولاءات ما قبل الوطنية، وتُعيد إنتاج ثقافة الإقصاء عبر المناهج التعليمية وخطاب المؤسسات الدينية غير المجددة. فالمجتمعات التي تفتقر إلى ثقافة المواطنة والحوار تتحول إلى تربةٍ خصبةٍ للاستبداد، حتى لو تغيرت الأنظمة الحاكمة.
تجارب عديدة حول العالم أثبتت أن التعدد لا يتناقض مع الاستقرار، بل يمكن أن يكون مصدر غِنًى حين تُدار الدولة بطريقة ديمقراطية. سويسرا، مثلًا، بلدٌ شديد التعدد دينيًّا وعرقيًّا ولغويًّا، لكنه حقق استقرارًا وازدهارًا واسعًا من خلال نظام ديمقراطي يتيح تمثيلًا سياسيًّا حقيقيًّا. في المقابل، فإن دولًا عربية أُحادية المذهب أو اللغة لم تعرف الاستقرار بسبب القمع والاستبداد.
لذلك يمكن القول إن معضلة العرب والمسلمين ليست في تعددهم مذهبيًّا وطائفيًّا، فتلك قاعدة ثابتة في جميع الأديان، إنما معضلتُهم تكمن في استمرار البُنى السياسية والاجتماعية والثقافية التي تُنتج بالضرورة هذا الاستبداد والتعصب.
الخروج من دوامة الفشل والانقسام في العالم العربي والإسلامي لا يكون بمحاربة التعدد أو إذابته قسرًا، بل ببناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتكريس العدالة في توزيع الثروة والسلطة، وضمان حقوق الأقليات وتنوُّع الهويات، ووجود مؤسسات مستقلة تفصل بين السلطات وتكفل التداول السلمي للسلطة.
فالأزمة ليست في تعدد المذاهب، بل في فشل النخب السياسية والفكرية في تحويل هذا التعدد من نقمة إلى نعمة. والعبرة ليست في تغيير الحكام – كما حدث في بعض البلدان العربية إبَّانَ ثورات الربيع العربي وما بعده – بل في تغيير الثقافة الاجتماعية والسياسية التي تُنتج الاستبدادَ بأشكاله كافة.


