لا يغيب عن ذهن أي متابع لملف التقاعد في مملكة البحرين التحذير الشهير الذي أطلقه المدير العام الراحل للتأمينات الاجتماعية، الشيخ عيسى بن إبراهيم آل خليفة، خلال جلسات الفصل التشريعي الأول لمجلس النواب، حين حذّر من إفلاس صندوقي التقاعد والتأمينات الاجتماعية. حيث كانت تلك الصرخة بمثابة ناقوس خطر أدّى إلى تشكيل أول لجنة تحقيق نيابية، تبعتها لجان تحقيق متعددة في معظم الفصول التشريعية، على امتداد التجربة النيابية.
ترافق هذا الحراك النيابي مع تحذيرات مستمرة من الجهات المعنية، لاسيما الجانب الحكومي، التي أكدت مرارًا أن السبب الرئيس وراء تدهور الوضع المالي للصناديق التقاعدية وبلوغها مرحلة “الإفلاس الاكتواري”، ومن ثم الإفلاس الحقيقي، يعود إلى عاملين أساسيين هما: الارتفاع الكبير في أعداد المحالين إلى التقاعد المبكر، وضعف الاشتراكات التأمينية.
ورغم أن هذين السببين يُردَّدان في كل مناسبة رسمية تقريبًا، إلا أن تقارير لجان التحقيق النيابية، إلى جانب ملاحظات ديوان الرقابة المالية والإدارية، وتصريحات خبراء ومختصين، رسمت صورة أوسع وأعمق لأسباب التدهور، ومن أبرزها:
1. أن الحكومة كانت المحرّك الرئيس لظاهرة التقاعد المبكر، لاسيما من خلال برامج تقليص القطاع العام، سواء عبر الخصخصة كما حدث في أوائل الألفية، أو عبر برامج مثل “التقاعد الاختياري”.
2. مسؤولية الحكومة عن قرار خفض نسبة الاشتراكات، واستبعاد العمالة الوافدة من مظلة التأمينات الاجتماعية.
3. سوء إدارة استثمارات الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي.
4. الهدر المالي وعمليات التنفيع، مثل مكافآت وشراء سنوات خدمة لكبار المسؤولين.
ورغم كل تلك المؤشرات، جرى تمرير تعديلات تشريعية على قوانين التقاعد ارتكزت على تقليص الحقوق المكتسبة للمتقاعدين مثل: إلغاء الزيادة السنوية، رفع سن التقاعد للمرأة، وزيادة نسبة الاشتراكات، متجاهلين التحذيرات التي رُفعت مرارًا من داخل وخارج البرلمان، بضرورة التوجه إلى إصلاح شامل وعادل لأنظمة التقاعد، يحفظ التوازن المالي للصناديق من جهة، ويصون حقوق المشتركين والمتقاعدين من جهة أخرى.
فهل هناك أمل فعلي في الإصلاح؟
البيانات المالية المنشورة على الموقع الرسمي للهيئة العامة للتأمين الاجتماعي، لا تعكس أي مؤشرات إيجابية حتى اللحظة، بل تؤكد استمرار التدهور، إذ تُظهر الأرقام أن أصول الهيئة تناقصت خلال السنوات الثلاث الأخيرة بنسبة تزيد على 27%، وهو ما توضحه الرسوم البيانية الرسمية (انظر: الرسم البياني رقم 1).

حقائق إحصائية من 2017 إلى 2024
• بلغت نسبة نمو أعداد المتقاعدين في القطاع العام حوالي 7.35% سنويًا، وفي القطاع الخاص 7.75% سنويًا، بينما كان معدل نمو التوظيف في القطاع الخاص 2% فقط، وفي القطاع العام سلبيًا (-0.835%) سنويًا.
• سجلت سنة 2019 أعلى نسبة نمو في أعداد المتقاعدين في القطاع العام، حيث بلغت 35%، نتيجة برنامج التقاعد الاختياري.
• تتركز غالبية المشتركين، خصوصًا في القطاع الخاص، ضمن فئة الأجور المنخفضة (أقل من 400 دينار) بنسبة تتجاوز 35%، بينما لا تتعدى هذه النسبة 5% في القطاع العام، بمعدل إجمالي لكلا القطاعين يبلغ 25%.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن انخفاض عدد الداخلين الجدد لسوق العمل مقابل الارتفاع المستمر في عدد المتقاعدين، إلى جانب انخفاض الأجور، سيؤدي حتمًا إلى نتائج كارثية على استدامة الصناديق. وهذه ليست معطيات معزولة، بل انعكاس مباشر للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك آليات إدارة “سوق العمل”.
نمط مستمر من الخصخصة والتقليص
ما زالت سياسة تقليص القطاع العام عبر الخصخصة مستمرة حتى اليوم، دون مراجعة جذرية، وهو ما يظهر بوضوح في الأرقام المتعلقة بالنمو في أعداد المتقاعدين:
• بين عامي 2020 و2022، حافظت نسب النمو في أعداد المتقاعدين في القطاع العام على حدود 1%.
• لكن في عام 2023، قفزت النسبة إلى 5%.
أما في المقابل، فقد شهد نمو التوظيف تراجعًا حادًا؛ فبين عامي 2020 و2022 تراوح بين 2% و3%، لكنه انخفض إلى -0.5% في عام 2023، مما يؤكد استمرار تقليص حجم القطاع العام. (انظر: الرسم البياني رقم 2).

سياسات تشغيل تؤثر على التوازنات المالية
إن السياسات الحالية التي تشرّع استقدام العمالة الوافدة بأجور منخفضة، وتقابلها تشريعات تميل لغير صالح العمالة الوطنية، تؤثر بشكل مباشر على قدرة الهيئة في جمع الاشتراكات والإيرادات التي تُعتبر العمود الفقري لاستمرارية أنظمتها المالية.
كما أن لذلك تأثيرًا خطيرًا على قدرة المواطن البحريني في الوصول إلى حياة كريمة، وتحقيق الأمان التقاعدي بعد انتهاء سنوات الخدمة.
ماذا بعد؟
إن أول خطوة جادة نحو إصلاح نظام التقاعد تبدأ بـ تشخيص واقعي ومسؤول للأسباب الحقيقية التي تمّ ذكرها أعلاه، يتبعها إصلاح لسياسة الاستثمار، ووقف نزيف الهدر المالي في أموال الهيئة.
أما الاستمرار في السياسات الحالية، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، وهذا ما يذكّرنا بمقولة أينشتاين الشهيرة: “الجنون هو أن تفعل الشيء نفسه مرارًا وتكرارًا وتتوقع نتائج مختلفة.”



موضوع ممتاز
Comments are closed.