في السادس من يوليو 2025، انعقدت قمة مجموعة بريكس الـ17 في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، في وقت تتزايد فيه التقلبات العالمية. وفي خضم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة والتجزؤ الاقتصادي، يُنظر بشكل متزايد إلى مجموعة بريكس كمصدر للاستقرار واليقين.
وما يُميّز مجموعة بريكس هو إطارها الشامل والتعاوني المصمم خصيصًا لتلبية احتياجات الاقتصادات الناشئة، وخاصة تلك التي تنتمي إلى الجنوب العالمي وتسعى إلى فرص تنموية أكثر عدالة.
جاء ذلك في تقرير لوكالة الأنباء الصينية “شينخوا”. وتماشيًا مع موضوع قمة هذا العام الذي يحمل عنوان “تعزيز التعاون بين دول الجنوب العالمي من أجل حوكمة أكثر شمولًا واستدامة”، عملت المجموعة على تعزيز صوت الدول التي لطالما هُمشت في عملية صنع القرار العالمي. وهذا جعلها قوة داعمة للاستقرار في عالم يزداد انقسامًا.
إن توسع “بريكس” يعدّ قفزة نوعية في مستوى تمثيلها وتأثيرها. ففي يناير هذا العام، انضمّت إندونيسيا، أكبر اقتصاد في الآسيان، رسميًا إلى مجموعة بريكس. واليوم، تمثل أكثر من نصف سكان العالم، وقرابة 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وأكثر من 50 في المائة من النمو الاقتصادي العالمي. وهذا يعني تحولًا تاريخيًا في ثقل الجنوب العالمي من أطراف الساحة الدولية إلى مركزها.
وكما ذكر التقرير، فإن مجموعة بريكس بحلتها الموسعة وجاذبيتها المتزايدة وتمثيلها الأقوى وانتشارها الجغرافي الأوسع، تعمل الآن على إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي العالميين. كما يؤكد تنوعها المتنامي على التزامها بالشمول ودورها كممثل حقيقي للجنوب العالمي.
لقد سلط تعاون مجموعة بريكس الموسعة الضوء على الأولويات التنموية للاقتصادات الناشئة وشجّع على حوار قائم على قدم المساواة. ويعكس ذلك توافقًا متزايدًا على أنّ الحلول متعددة الأطراف الفعالة لابد أن تشتمل على مجموعة أوسع من الأصوات، لاسيما تلك التي كانت مستبعدة من قبل.
ومن الناحية العملية، قدمت نموذجًا تنمويًا واعدًا وعمليًا للدول النامية من خلال مبادرات تركز على الاستثمار في البنية التحتية، ونقل التكنولوجيا، والتكامل المالي. وبالنسبة للعديد من دول الجنوب العالمي التي تواجه تحديات في البنية التحتية، وانعدام الأمن الغذائي، والهشاشة المناخية، تقدم “بريكس” دعمًا تمس الحاجة إليه في وقت عجزت فيه دول أخرى عن ذلك.
والأهم من ذلك أنها تشكل أيضًا صوتًا جماعيًا ينادي بالعدالة والإنصاف في الحوكمة العالمية، إذ تدعو إلى التقدم المشترك والاحترام المتبادل والمساواة في السيادة، فيما تعارض بشدة تكوين “تكتلات صغيرة” حصرية.
وتلتزم دول بريكس بممارسة التعددية الحقيقية، ودعم النظام الدولي الذي تمثل الأمم المتحدة نواته، فضلًا عن دعم وتعزيز النظام التجاري متعدد الأطراف الذي تمثل منظمة التجارة العالمية مركزه.
وفي إطار منصات مثل الأمم المتحدة ومجموعة العشرين، عززت دول بريكس التواصل السياساتي، ونسقت مواقفها، ودفعت بشكل بناء إصلاح نظام الحوكمة العالمية. وقد ساهم ذلك بشكل كبير في تعزيز صوت الدول النامية، وقدرتها على تحديد جدول أعمالها وتأثيرها في صياغة القواعد الدولية.
ومع وجود بيئة عالمية متزايدة التعقيد، تواصل من خلال تركيزاتها على بناء التوافق وتحقيق التعاون العملي، ضخ المزيد من العدالة والإنصاف واليقن في النظام الاقتصادي والسياسي الدوليين.
في جوهرها، تتطلع المجموعة إلى عالم أكثر إنصافًا، عالم تكون فيه التنمية شاملة للجميع، وتشكل فيه أصوات الغالبية، لا القلة فقط، ملامح المستقبل.
تسعى “بريكس” إلى تعزيز دورها كمحرك رئيس في الاقتصاد العالمي، في ظل دعوات متزايدة لإصلاح النظام المالي العالمي، وتعزيز التعددية القطبية.
وفي هذا السياق، تقول الكاتبة والأكاديمية المتخصصة في الشأن الاقتصادي د. كريمة الحفناوي، في مقال نُشر على موقع”alharir” ، إن أحد القرارات الهامة لتجمع بريكس هو، التعامل بين دول المجموعة بالعملات المحلية، من أجل إزاحة سيطرة الدولار الأمريكي في السوق العالمية، حيث أن المجموعة لديها القدرة على التأثير بشكل كبير، على النظام الاقتصادي والجيوسياسي العالمي، خاصة من خلال تغيير توازن القوى، وخلق المزيد من الفرص للدول النامية، والعمل على الحد من السياسات الرأسمالية الجديدة المعسكرة والمتوحشة التي تعمل على إفقار الدول النامية وزيادة ثروات الدول الكبرى من ناحية أخرى.
لقد أكدت هذه القمة على التعاون بين البنوك المركزية لدول المجموعة مع تمكين التسويات بالعملة المحلية بين الدول الأعضاء.
وردًا على تهديدات ترامب، بفرض عقوبات جمركية إضافية بنسبة 10% على أي دولة تصطف مع السياسات المعادية لواشنطن التي تنتهجها دول بريكس، أكد الرئيس الروسي بوتين رفضه لهذه التهديدات، وقال: “إن دول بريكس تتعاون فيما بينها بناءً على مصالحها المشتركة، وإن التعاون بين دول بريكس ليس موجهًا ضد دول أخرى “.
كما أعلنت وزارة الخارجية الصينية، رفضها للتهديدات الأمريكية باستخدام الرسوم الجمركية كأداة ضغط، وأكدت أن الحروب التجارية لا رابح فيها، داعية إلى الحوار كوسيلة لحل الخلافات.
ويجيء اجتماع دول بريكس هذا العام في وقت يعاني فيه العالم، من أزمات اقتصادية حادة، ومن صراعات وحروب، تسببت في الهجرة غير الشرعية، وتهجير السكان من أوطانهم في صورة لاجئين، مما يهدد السلام العالمي.
وقال قادة دول بريكس في إعلان مشترك عقب اليوم الأول للقمة “نحث كل الأطراف على الانخراط بحسن نية في مفاوضات، لتحقيق وقف فوري ودائم وغير مشروط في قطاع غزّة، والانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من القطاع والأرضي الفلسطينية المحتلة”.
كما نددت المجموعة بالضربات العسكرية ضد إيران معتبرة أنها انتهاك للقانون الدولي، وأعربت عن قلقها الشديد، إزاء التعريفات الجمركية التي أعلنها الرئيس ترامب، واعتبرتها أنها غير قانونية وتعسفيه، وتُهدد بالحد من التجارة العالمية بشكل إضافي، وتعطيل لسلاسل التوريد، وإدخال حالة من عدم اليقين إلى الأنشطة الاقتصادية والتجارة الدولية.
كاتب بحريني وعضو التقدمي



