يوم الشباب العالمي

0
69

مع اقتراب اليوم العالمي للشباب، الذي يُصادف الثاني عشر من أغسطس من كل عام، يتجدد الحديث حول قضايا الشباب البحريني، ليس من باب الاحتفال الرمزي، بل من باب الحاجة الملحة لفهم واقعهم، والاستماع إلى أصواتهم، وتفكيك التحديات التي تعترض طريقهم نحو حياة كريمة ومستقرة تليق بطموحاتهم.

في بلد يشكل فيه الشباب النسبة الأكبر من السكّان، يتساءل كثيرون: لماذا لا يزال الشعور بالخذلان حاضرًا؟ ولماذا تتحول الطموحات إلى انتظارات مؤجلة؟ ولماذا يشعر بعضهم بأن الطريق إلى الاستقرار – سواء المهني أو الاجتماعي أو السياسي – بات أطول وأصعب من أي وقت مضى؟

البطالة.. معركة البحث عن فرصة

يشكّل ملف البطالة محورًا مركزيًا في معاناة شريحة واسعة من الشباب البحريني، خصوصًا أولئك الذين أنهوا تعليمهم الجامعي أو المهني. فعلى الرغم من التصريحات الرسمية التي تتحدث عن مؤشرات تحسّن في معدلات التوظيف، إلا أن الواقع على الأرض يقول شيئًا آخر.

الوظائف المتاحة إما محدودة، أو مشروطة بعقود مؤقتة وغير مستقرة، أو لا تتناسب مع مؤهلات المتقدمين. والأسوأ، أن المنافسة مع العمالة الوافدة ما زالت قائمة في قطاعات كثيرة، ما يخلق حالة من الإحباط والشعور بعدم العدالة.

عقود العمل المؤقتة.. انعدام الأمان والاستقرار

يعيش العديد من الشباب ممن التحقوا بسوق العمل تحت وطأة العقود المؤقتة أو التشغيل بالساعة، ما يجعل مستقبلهم المهني معلقًا على تجديد سنوي قد لا يحدث، ويُعقد قدرتهم على التخطيط لحياتهم، أو حتى الاستفادة من برامج الإسكان والقروض البنكية، التي غالبًا ما تتطلب عقودًا دائمة ودخلًا ثابتًا.

الإسكان.. انتظار يمتد لسنوات

لا يمكن الحديث عن استقرار الشباب دون التطرق إلى أزمة الإسكان التي باتت تثقل كاهلهم. فطلبات الانتظار تطول، والأسعار ترتفع، والحلول المطروحة لا تواكب الحاجة الحقيقية، مما يدفع كثيرًا من الشباب إلى البقاء في منازل ذويهم رغم تقدمهم في العمر، أو إلى استئجار وحدات بأسعار تفوق طاقتهم، ما ينعكس سلبًا على قرار الزواج وبناء الأسرة.

ريادة الأعمال.. الفكرة تصطدم بالواقع

يرى الكثير من الشباب أن العمل الحر هو مخرج بديل عن البطالة أو الوظائف الضعيفة، لكن حين يتحول الطموح إلى مشروع فعلي، تبدأ التحديات: التمويل صعب، الإجراءات طويلة، السوق محتكر من قبل أسماء كبيرة تملك النفوذ والدعم، والمنافسة غير عادلة. أما الدعم المؤسسي، فغالبًا ما يذهب لمشاريع “نمطيّة” تخدم الصورة لا الواقع، بينما يُترك المبدعون دون من يحتضن أفكارهم الجريئة.

المشاركة السياسية.. حضور باهت وصوت غائب

لم يعد خافيًا تراجع اهتمام الشباب البحريني بالشأن العام، لا من حيث المشاركة السياسية ولا من حيث الانخراط في مؤسسات المجتمع المدني. فبين من يشعر أن صوته لا يؤثر، ومن يرى أن المشهد مغلق ولا مساحة فيه للشباب، بات العزوف سمة سائدة.

هذا التراجع لا يعني ضعف الوعي، بل هو انعكاس لفقدان الثقة، ولغياب بيئة حاضنة تحترم الرأي الآخر، وتفسح المجال الحقيقي للمشاركة لا الشكلية.

ما بين الواقع والمأمول.. ما الذي يحتاجه الشباب فعلًا؟

في الوقت الذي يملك فيه الشباب البحريني طموحات كبيرة، وإرادة صلبة، وأفكارًا رائدة، تصطدم هذه الإمكانات بسياسات لم تعد قادرة على مواكبة التحولات. الشباب لا يطلبون امتيازات، بل حقوقًا أساسية: وظيفة لائقة، وسكن كريم، وفرصة للتعبير، وشراكة حقيقية في صياغة المستقبل. يريدون أن يكونوا شركاء لا متلقين، فاعلين لا متفرجين، ومبادرين لا متهمين.

ومن خلال قراءة الواقع الذي يعيشه الشباب البحريني اليوم، يتضح أنّ الفجوة بين الطموحات الفردية والسياسات العامة ليست مجرد فجوة إدارية أو تقنية، بل هي فجوة في التصورات والتوجهات. فالشباب لا يطلبون امتيازات خاصة بقدر ما يطالبون بفرص عادلة، وبيئة حقيقية تحترم وجودهم وتمنحهم أدوات الفعل لا مجرد الشعارات.

من هنا، فإن أي سياسة تنموية جادة تجاه الشباب يجب أن تبدأ أولاً بالاستماع إلى أصواتهم من دون وسطاء، وتفهم أولوياتهم التي لم تعد تقتصر على التعليم والعمل فقط، بل تشمل أيضًا الكرامة، والتمثيل، والمشاركة، والاستقرار الاجتماعي والنفسي.

هناك حاجة ماسة لإعادة هيكلة السياسات الاقتصادية بحيث تضع الشباب في قلب خطط التنمية، وليس على هامشها. على الدولة أن تضمن تكافؤ الفرص في سوق العمل، وأن تراجع بجرأة ملف العقود المؤقتة وضعف الأمان الوظيفي، لأن غياب الاستقرار المهني يخلق جيلاً مرتبكًا، يعيش على الهامش في بلده.

في ملف ريادة الأعمال، لا تكفي المبادرات الرمزية أو الدعم الانتقائي، بل يجب تأسيس بنية تحتية اقتصادية واضحة تُسهل على الشباب التأسيس والنمو والمنافسة، بعيدًا عن الإقصاء من السوق الذي تحتكره النخبة التجارية أو المشاريع الكبرى المدعومة.

أما على الصعيد السياسي والمجتمعي، فإنّ الحديث عن تراجع المشاركة لا يمكن معالجته عبر الحملات الإعلامية، بل عبر إصلاحات قانونية وتشريعية تعيد بناء الثقة بين الشباب ومؤسسات الدولة، وتفتح أمامهم فضاءات للتعبير والتنظيم والمساءلة.

غياب الجمعيات الشبابية المستقلة ليس عَرَضًا، بل نتيجة منطقية لواقع قانوني مقيد، يحتاج إلى مراجعة جذرية تعيد للمجتمع المدني عافيته.

ما يحتاجه الشباب اليوم ليس مجرد الاحتفاء بهم في المناسبات، بل التأسيس لعقد اجتماعي جديد يُشركهم في صناعة القرار، ويمنحهم الثقة والدور والمسؤولية، باعتبارهم ليس فقط “شريحة سكانية” بل طاقة وطنية كبرى لا يمكن تجاهلها. الإصغاء إليهم بصدق هو البداية، أما تمكينهم الحقيقي، فهو المسار الذي لا بد أن يُفتح الآن، قبل أن يُغلق الأمل خلف جدران اللامبالاة.