كان يوم السابع عشر من أغسطس ١٩٩٠، رماديا في موسكو. السماء ملبدة بغيوم داكنة تنذر بأمطار قادمة. سادت أجواء الوجوم والترقب المشحون بالتوتر على الأنباء العالمية بعد مضى أكثر من إسبوعين على غزو صدام المفاجئ للكويت. إلا أن حالة من الحزن المختلف خيّمت على أجواء القاعة الرئيسية لدار النشر السوفيتية “دار التقدم”. في وسطها كان نعش مغطى بباقات من الزهور، محاطاً بأربعة من “حرس الشرف” يتناوبون على حراسته. تدفق العشرات من أبناء الجالية العربية، غالبيتهم من المنفيين العراقيين على القاعة، منهم من كان ينتحب ..ومنهم من يبكي بدموع غزيرة دون صوت. بعد إلقاء كلمات تأبينية عن الراحل، انطلق موكب السيارات حاملا النعش، تقوده سيارة الشرطة. فتحت الأضواء الخضراء في كل الشوارع من مبنى “دار التقدم” الكائن قرب حديقة غوركي حتى مقبرة ترويكوروفسكوي في ضواحي موسكو. ما أن نثر الناس التراب فوق قبر الأديب حتى إنهمر المطر بغزارة…على قبر الأديب المعمول من الغرانيت الأسود وضعت لافتة مرمرية مكتوب عليها باللغة العربية: “غائب طعمة فرمان”، وبالقرب منها تمثال مرمري لكتاب عنوانه ” النخلة والجيران”.
إستحضرنا أعلاه مشهد جنازة المترجم والأديب العراقي “غائب طعمة فرمان” (المصدر: “غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين الى الوطن” ( د.أحمد النعمان – دار المدى ١٩٩٦)، بمناسبة حلول ذكرى وفاته الخامسة والثلاثين هذا العام، لنبيّن مدى التقدير العالي الذي حظي به من قبل الدولة السوفييتية آنذاك نظير انجازاته الكبيرة في ترجمة روائع الأدب الروسي طيلة ثلاثين عاما عمل فيها في دار “التقدم”، و دار “رادوغا” منذ مطلع الستينات من القرن الماضي. وهو تقدير يفوق كثيرا ما حظي به في وطنه، باستثناء وسط محبيه وقرائه.
هناك “غائبان” إذا صحّ التعبير: المترجم والروائي. الكثير ربما لمحوا اسمه بشكل عابر في الصفحة الثانية من الطبعات الأنيقة لروائع وكلاسيكيات الأدب الروسي التي أصدرتها دار التقدم. عبر ترجماته تعرّف قراء العربية على أعمال إيفان تورجنيف في خمسة مجلدات، ورواية “القوزاق” لتولستوي، ومجموعة من قصص دستويفسكي وماكسيم غوركي، ورواية “المعلم الأول” لجنكيز إيتماتوف، بالإضافة إلى بضعة أعمال للكاتب الروسي الشهير بوشكين. ترجم نحو ثلاثين عملاً من كلاسيكيات الأدب الروسي، وهناك من يقول بأن إجمالي ما ترجمه يناهز الثمانين كتاباً إذا ما أخذنا باعتبارنا الكتب العلمية التي كانت تصدرها دار “التقدم “. كان نشاط الترجمة والنشر في الاتحاد السوفيتي آنذاك هائلا، وهي ظاهرة استفاد منها العالم العربي بصورة غير مسبوقة في تاريخه الحديث، خاصة في مجال الانفتاح على كنوز الأدب الروسي والسوفيتي، بالاضافة الى الكتب العلمية والتقنية. حتى بداية التسعينات كانت دار “التقدم” تصدر ما يقارب ألفين عنوان جديد من الكتب بطبعات تتجاوز الثلاثين مليون نسخة في غالبية لغات العالم الشرقي والغربي. للأسف أنه بعد عام واحد من وفاة “غائب” إنتهت قصة “دار التقدم”، ويبدو أن جنازة “غائب” في صيف ١٩٩٠ كانت نذيراً لجنازة الدار التي عمل بها، والتي تم تصفيتها وإغلاقها نهائيا عام ١٩٩١.
حين نتأمل في سيرة حياة “غائب”، نلاحظ من جانب كثافة وغنى التجارب التي عاشها منذ ولادته عام ١٩٢٧ في بغداد حتى استقراره بعمر الثالثة والثلاثين في منفاه الأخير بموسكو عام ١٩٦٠، ومن جانب آخر غزارة العطاء طيلة الثلاثين عاماً التي قضاها في الاتحاد السوفيتي حتى وفاته: عطاء أدبي تمثّل في نشاط غزير بالترجمة وكتابة ثمانية روايات: النخلة والجيران (١٩٦٦) – خمسة أصوات (١٩٦٧) – المخاض (١٩٧٣) – القربان (١٩٧٥) – ظلال على النافذة (١٩٧٩) – آلام السيد معروف (١٩٨٠) – المرتجى والمؤجل (١٩٨٦) – المركب (1989).
أشهر رواياته على الإطلاق “النخلة والجيران” كتبها في موسكو مستحضراً فيها بدقة متناهية تفاصيل حياته كما عاشها في طفولته وبداية شبابه في بغداد إبان الحرب العالمية الثانية. ويبدو أن حياته إنقسمت الى شطرين: ما قبل وما بعد موسكو. سندهش حين نعلم حجم المعاناة التي مرّ بها في طفولته وشبابه، وهي معاناة على الرغم من قسوتها، إلا أنها شكلت منهلاً لا ينضب لإبداعه الأدبي. في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، أمضى أربع سنوات في مصر للدراسة الجامعية، حيث تشكلت هناك بواكير وعيه الأدبي والسياسي، وتعرّف على نجيب محفوظ وسلامة موسى وطه حسين، كما بدأ بنشر أولى محاولاته بالقصة القصيرة في المجلات المصرية آنذاك.
بعد عودته إلى العراق مطلع الخمسينات عمل كصحفي في صحيفة “الأهالي” لسان حال الحزب الوطني الديمقراطي في العراق. وكتب عن معاناته في العمل الصحفي آنذاك: “إن الصحفي عامل بالمعنى الحقيقي للعامل..يرتبط مصيره بآلة الطبع يُوّفر لها غذائها ومن عصارة فكره يمدها بأسباب الحياة، ومن عمره المحطم على عتبيتها يطول عمرها ويمتد !”. لجأ “غائب” لكتابة القصص القصيرة حين يخلو إلى نفسه، وهدفه كما يقول: “أن أنقل بعض من صور المجتمع العراقي الممتلئ بالصور القاتمة”. ساهم قلمه الصحفي في كتابته القصصية ولاحقاً الروائية خاصة في إلتقاط مشاهد الحياة العامة في بغداد آنذاك ووصفها بدقة.
أصدر “غائب” في الخمسينات مجموعاته القصصية “حصيد الرحى” و”مولود آخر”، والتي تمّ إعادة نشرها من قبل دار المدى في عام ٢٠٢٠. ثلاثة عناصر صقلت أسلوبه الروائي؛ خبرته في الكتابة الصحفية، وعمله لاحقاً كمترجم، بالإضافة إلى ذاكرته القوية لتفاصيل ماعاشه في طفولته وشبابه، ذاكرة وفرت له مخزوناً لا ينضب من المشاهد والحوارات استلهمها لاحقاً في أعماله الروائية. يلفت النظر أيضاً إعتماده على اللهجة العراقية في حوارات شخصيات أعماله.
على الرغم من أن “غائب” لم يكن ناشطاً سياسياً بالمعنى التقليدي والحرفي، إلا أن كتاباته الصحفية وعدائه للاستعمار والاستبداد البوليسي في بلاده كلفه الكثير. أسقطت عنه الجنسية مرتين: الأولى عندما كان متجها إلى بوخارست للمشاركة في مهرجان الشبيبة والطلبة الدولي الرابع في بوخارست عام ١٩٥٣، وبعد فترة تشرد في المنافي ذهب الى الصين حيث عمل مترجما في وكالة أنباء الصين الجديدة.
وبعد ثورة ١٤ يوليو ١٩٥٨ التي أطاحت بالنظام الملكي، عاد غائب إلى العراق، وتمّ إرجاع الجنسية إليه، وعمل في الصحافة لفترة قصيرة، إلا أنه شعر باضطراب الوضع السياسي وعدم استقراره مما دفعه لمغادرة العراق عام ١٩٦٠ متجهاً الى موسكو ليستقر فيها حتى وفاته.. بعد انقلاب الثامن من فبراير ١٩٦٣، أسقطت الجنسية عنه مرة أخرى على الأرجح لعلاقته القوية بالحزب الشيوعي العراقي، الذي اهتم به وساهم كثيرا في الترويج لإبداعاته الأدبية.
زمن “النخلة والجيران”:
حاولت قراءة رواية “النخلة والجيران” منتصف الثمانينات، حين أعارني إياها أحد الأصدقاء العراقيين أيام دراستي الجامعية في برلين بألمانيا الديمقراطية آنذاك. لم أستطع إكمالها، وبررت السبب لصديقي في صعوبة فهمي للهجة العراقية القديمة التي تحفل بها الرواية. كان هناك سبب خفي لم أصرّح به، وهو أن جو الرواية كئيب للغاية، ولا يوجد بها أبطال ثوريين يلهمون قارئ يساري شاب مثلما إعتدت عليه في رواية “الأم” لمكسيم غوركي على سبيل المثال. حين أعدت قرائتها بصبر وتأني مطلع هذا العام (بعد إنقضاء أربعين عاما على محاولة القراءة الأولى)، فتنتني الرواية بمشاهدها، وحواراتها البسيطة ولكن العميقة بدلالاتها. خامرني شعور بأنني أدلف الى عالم بعيد، ولكنه مألوف في نفس الوقت.
لا أعلم السبب، ولكنني شعرت بأن ما فعله غائب فرمان روائيا في “النخلة والجيران”، يشبه إلى حد بعيد ما أبدعه المخرج الكويتي خالد الصديق لاحقا في فيلمه “بس يابحر”. إذ على الرغم من اختلاف السياق والتفاصيل، إلا أن كليهما (فرمان والصديق) اشتركا في تبيان حقيقة أن ذلك الزمن لم يكن “زمناً جميلاً” كما يحلو للسرديات النوستالجية ترويجه. كانت حياة صعبة وبائسة للغاية، ومايزيدها بؤسا هو الوعي السطحي بالواقع من قبل من يعانون منه. ما كتبه غائب فرمان في روايته عن بغداد الأربعينات، وما صوّره خالد الصديق عن حياة ومآسي العيش في زمن الغوص بالكويت، يبدوان متشابهين من منظور الكادحين والمهمشين في المجتمع. في الرواية: تتوهم “سليمة ” الخبازة الثراء الذي سيجلبه لها فرن كهربائي للخبز فتتعرض للنصب من المحتال مصطفى الذي يسلبها كل ما تملكه. في الفيلم: يعتقد الشاب “مساعد” بأن خلاصه من فقره سيتم عبر الغوص من أجل الدانة التي ستجلب له الثراء وتمكنه من الزواج بحبيبته فيموت غرقاً. ما يبدو أنه أحلام مشروعة انتهت بوصفها أوهام زائفة لأنّها قائمة على وعي زائف بحقيقة الواقع.
في هذا أصاب الناقد فيصل دراج في تحليله العميق للرواية عبر موضعتها ضمن إشكالية وعي الناس لواقعهم: كيف يعي الناس ما يعيشونه من ظلم وبؤس في حياتهم؟، كيف وعى المهمشون والكادحون في بغداد الحرب العالمية الثانية الأحداث التي عايشوها؟”. غائب فرمان “عالج الإشكالية بصراحة وبلا رتوش تجميلية أو نوستالجيا حالمة. لم يكن الماضي بالنسبة له “زمناً جميلاً”. ساد الغبن الاجتماعي بدلاً من الوعي الاجتماعي. حقد البسطاء وغضبهم من الإنجليز المستعمرين مثلا، ترواح ما بين تأييد حرب هتلر ضد الإنجليز، والتهافت على الحصول على أي فرصة عمل توفرها معسكرات الجنود البريطانيين للعاطلين المعدمين. كانت مواقف متناقضة. وعيهم بالحداثة لم يتجاوز مسألة المقارنة بين “الصمون” الذي تنتجه الأفران الحديثة مع الخبز التقليدي المعجون والمخبوز باليد.
ربما كان هذا الوعي “الناقص” لدى شخصيات الرواية مقابل الظلم التي يتعرضون له في حياتهم هو ما دفع بإحدى الشخصيات الرئيسية “حسين” إلى ارتكاب جريمة القتل انتقاماً من أحد بلطجية الحي كما سنقرأ في نهاية الرواية. الدلالة واضحة: ظلم و فقر، وانسداد أفق، مع وعي سطحي، كل ذلك سيؤدي بالضرورة إلى عنف دموي. حدث ذلك في زمن رواية “النخلة والجيران” إبان الحرب العالمية الثانية. هل سيختلف الأمر كثيراً لو تكررت هذه الخلطة الفتاكة الآن؟


