غزّة تموت جوعاً .. لماذا يسمح العالم بحدوث ذلك؟

0
57

نشرت صحيفة الغارديان شهادة للجرّاح المتطوّع في مستشفى ناصر جنوب غزة نيك ماينارد، الذي تحدث عن “التجويع المتعمّد” في القطاع، في مقال بعنوان “أشهد تجويعاً متعمداً لأطفال غزة، لماذا يسمح العالم بحدوث ذلك؟”.

ويصوّر الطبيب حجم المأساة الإنسانية من داخل المستشفى: “مراهقون يعانون سوء التغذية، ورُضّع أصبحوا جلداً وعظماً، وجراحات تفشل ليس بسبب حدة الإصابة بل لأن المصاب يعاني من سوء تغذية شديد يمنعه من النجاة من العمليات”. ويشير الطبيب إلى وفاة أطفال رُضّع خلال الأسابيع الماضية بالمستشفى الذي يعمل فيه، بسبب الجوع، معتبراً أنّ “التجويع يستخدم كسلاح ضد شعب بأكمله بشكل متعمّد” في غزة.

ويقول الطبيب: “لا يوجد ما يكفي من الطعام في غزة. ولا نملك حليب أطفال تقريباً، وغالباً ما تعاني أمهاتهم من سوء التغذية الشديد الذي يمنعهن من الرضاعة الطبيعية. وعندما حاول زميل دوليّ إدخال حليب أطفال إلى غزة، صادرته السلطات الإسرائيلية”.

ويُلخص الطبيب سياسة التجويع بنقطتين؛ تتمثلان بـ”منع دخول الغذاء إلى غزة، وترك المدنيين اليائسين بلا خيار سوى زيارة نقاط التوزيع العسكرية للحصول على بعض الإمدادات المحدودة”، ويوضح أن السلطات الإسرائيلية قلّصت مراكز توزيع المساعدات الإنسانية من 400 موقع في مايو/أيّار إلى 4 مناطق عسكرية، والتي يصفها بـ”الفخ المميت لمن يسعى للحصول على قوت يومه”.

وينقل ملاحظة أطباء في قسم الطوارئ “عن نمط مُقلق للإصابات، حيث تتركّز في أجزاء مُحددة من الجسم كالرأس، والساقين، والأعضاء التناسلية، ما يُشير إلى استهداف مُتعمّد لتلك الأجزاء”.

على الصعيد نفسه حذّرت أكثر من مئة منظمة غير حكومية من خطر تفشّي “مجاعة جماعية” في غزة، وقالت المنظمات غير الحكومية ومن بينها “أطباء بلا حدود”، و”منظمة العفو الدولية“، و”أوكسفام إنترناشونال” وفروع عديدة من منظمتي “أطباء العالم” و”كاريتاس” إنّه “مع انتشار مجاعة جماعية في قطاع غزة، يعاني زملاؤنا والأشخاص الذين نساعدهم من الهزال”.

ودعت المنظمات الحكومات إلى المطالبة برفع جميع القيود البيروقراطية والإدارية، وفتح جميع المعابر البرية، وضمان وصول الجميع إلى كل أنحاء غزة، ورفض التوزيع الذي يتحكم به الجيش الإسرائيلي واستعادة “استجابة إنسانية مبدئية بقيادة الأمم المتحدة”.

وقالت المنظمات الإنسانية في بيانها إنّه “خارج قطاع غزة مباشرة، في المستودعات – وحتى داخله – لا تزال أطنان من الغذاء ومياه الشرب والإمدادات الطبية ومواد الإيواء والوقود غير مستخدمة، في ظلّ عدم السماح للمنظمات الإنسانية بالوصول إليها أو تسليمها”.

المجاعة تقرع كل الأبواب

ويأتي هذا البيان غداة اتّهام المفوضية العليا للأمم المتحدة لحقوق الإنسان الجيش الإسرائيلي بقتل أكثر من ألف شخص عند نقاط توزيع المساعدات في غزة منذ نهاية أيار/ مايو، غالبيتهم كانوا قرب مواقع تابعة لـ”مؤسسة غزة الإنسانية”، وهي منظمة تدعمها الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي سياق متصل، اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن الأهوال التي يشهدها قطاع غزة على صعيد أعداد القتلى والدمار الواسع النطاق، “لا مثيل لها في التاريخ الحديث”. وقال غوتيريتش خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي “تكفي مشاهدة الرعب الذي يدور في غزة، مع مستوى من الموت والدمار لا مثيل له في التاريخ الحديث. سوء التغذية يتفاقم، والمجاعة تقرع كل الأبواب”.

وأعلن مجمّع الشفاء الطبّي أنّ 21 طفلا توفّوا في غزة خلال الساعات الـ72 الماضية “بسبب سوء التغذية والمجاعة”، مع بلوغ الكارثة الإنسانية التي يعانيها سكان القطاع مستويات غير مسبوقة وتحذير الأمم المتحدة من أن “المجاعة تقرع كل الأبواب”.

وفي مستشفى ناصر (جنوب)، أظهرت صور لوكالة فرانس برس والدين يبكيان فوق جثة ابنهما عبد الجواد الغلبان البالغ 14 عاما والذي توفي جوعا وقد لفت جثته العظمية في كيس جثث أبيض.

حملة عالمية.. ضمير لا يُقهر

في العشرين من يوليو 2025، انطلقت في مختلف عواصم ومدن العالم حملة عالمية غير مسبوقة تحت شعار ارفعوا الحصار.. أوقفوا التجويع، للتنديد بسياسة التجويع الممنهج التي يتعرض لها أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزة، وسط صمت دولي مطبق وإخفاق أممي متكرر في حماية أبسط حقوقهم في الحياة والكرامة والغذاء.

انطلقت التظاهرات والوقفات الاحتجاجية في أكثر من 40 مدينة حول العالم، من بينها باريس، لندن، إسطنبول، برلين، كيب تاون، كراتشي، كوالالمبور، بيروت، عمّان، والرباط، إضافة إلى عدة عواصم أمريكية ولاتينية.

ورفع المشاركون لافتات كتب عليها: التجويع جريمة حرب”، افتحوا الممرات الإنسانية إلى غزة”، “الكرامة لا تُحاصر”، وتمت تلاوة بيانات تضامنية بلغات متعددة، مطالبة المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لوقف الانهيار الإنساني الحاصل، كما أُطلقت عرائض إلكترونية وبيانات تضامن من قبل شخصيات ثقافية وفنية وأكاديمية بارزة، بينهم كتاب حاصلون على نوبل، وفنانون عالميون، وناشطون حقوقيون، مطالبين بتحقيق فوري في جرائم التجويع، ورفع الحصار، وفتح الممرات الإنسانية.

صوت الضحايا أقوى

الحملة لم تكن فقط تعبيراً عن الغضب الدولي، بل أيضاً وسيلة لإيصال أصوات المحاصرين أنفسهم. عبر مقاطع الفيديو والرسائل المكتوبة، خاطب أهالي غزة العالم بلغات متعددة، قائلين: “لا نطلب المستحيل، نطلب فقط حقنا في الحياة”، و”نحن لا نموت بالقنابل فقط، بل نموت كل يوم من الجوع والعطش والخوف”.

فهل تُجبر هذه الحملة صانعي القرار على التحرك؟ وهل يمكن تحويل الغضب العالمي إلى ضغط سياسي وحقوقي فعّال يُنهي التجويع كسلاح؟.