مفارقات مذهلة من مفارقات هذا الزمن البائس الذى يشهده واقعنا العربي، واقع فيه من يهندس له الفوضى كي يظل~ برميل بارود مشتعل تحوم حوله وتحركه أيادٍ كثيرة بأعواد الثقاب. وجه الخطورة فى هذه المفارقات أنها تكاد تضعنا، ام هى وضعتنا بالفعل، فى حلقة من الخيبات، أهمها على الإطلاق اختبار الانسانية والضمائر الحية، حتى معنى الانسانية تمّ التلاعب به. ألم يعلن المحتل الإسرائيلي عن “المدينة الإنسانية” فى غزّة التى اكتشف العالم أنها لم تكن سوى مجرد فخ قاتل حين تحولت مراكز توزيع الغذاء فى هذه المدينة التى استظلت بالإنسانية إلى مصائد لقتل المئات من حشود الجوعى الباحثين عن المساعدات الغذائية، وبلغت المأساوية حدّ أن عمال الإغاثة أنفسهم مستهم سياسة الجوع والتجويع واضطرّوا للوقوف فى طوابير الطعام ..!
لقد وصل الوضع فى غزة إلى المجاعة الشاملة فى مشاهد يومية تزلزل كيان كلّ صاحب عقل وضمير فى العالم، ولعلها لحظة صراحة نادرة حين وصف الملك البلجيكى فليب خلال خطاب العرش عشية العيد الوطنى لبلاده ما يجرى فى غزة بأنه “عار على الإنسانية”، ثم جاء أمين عام الأمم المتحدة خلال اجتماع لمجلس الأمن ليعلن “أن الأهوال التى تعيشها غزة لا مثيل لها فى التاريخ الحديث وتضرب الانسانية فى الصميم”، ولكن جامعتنا العربية التى أدمنت الدوران فى محيط الشجب والإدانة والاستنكار، ولا تخرج اجتماعاتها على كل المستويات عن تكرار المكرر، وكل الحراك الشكلي الذى قام هذا الكيان العربي مخيب للآمال، وفاقم حالة اليأس.
لنتجاوز الجامعة العربية لأنها لا تحتمل حساباً ..!، وأحسب أن ما قاله محمود درويش ينطبق عليها: “نريد تطلعاً إلى الأمام، لا حشداً للمخلفات”، وهو القائل أيضاً: “لا أريد أن أرى اكثر مما رأيت من خيبات الأمل، ولعل ذلك هو آخر ما تبقى لى من أمل، ان أحصّن نفسي ضد الخيبة”، هذه الخيبة نراها اليوم بسبب هذا الكم غير المسبوق من البشاعة والتوحش، والأدهى أن نجد من يحملون راية العدالة والحرية وحقوق الانسان وهم يسقطونها سقوطاً مدوياً حين ظهروا إما متواطئين أوداعمون، أليست مفارقة مذهلة حين نبدو كمن يطلب الدواء من اهل الداء؟
لعبة المفارقات لاتنتهى ومن يمتلكون القدرة على الرصد والمتابعة قادرون على اكتشاف درجات جديدة من هذه المفارقات وما تحمله من معانٍ، فما يجرى فى أرض ليس مثلها أرضاً، ارض صار الموت فيها أبقى من الحياة، أرض غزة التى يريدون جعلها ارض مقابر، ولكنهم يزعمون أنها ستكون أهم منتجع سياحي فى الشرق الأوسط، غير مكترثين بتجاوز كل الخطوط الحمراء، وهم يمارسون إبادة إنسانية وأهوال تنقل بالبث المباشر، وهو أمر وصفه أمين عام الأمم المتحدة بأن لا مثيل له فى التاريخ ..!! ثم أليست مفارقة حين نتناسى أو نتجاهل الظلم حين يتسيد الصمت على كل الجرائم المكتملة الأركان التى يشهدها العالم، أيكون هذا الصمت والتهاون حياداً أم أنه وقوف إلى جانب الظالم، الصمت او الحيادية كما قال احدهم تعنى إنساناً بلا قلب، بلا روح، بلا عاطفة، بلا مشاعر إنسانية تجاه أشد الحروب فى العالم شراسة، حرب لم يعد القصف وحده وجه الموت فيها، بل بات الجوع سيفاً مصلطاً على رقاب اكثر من مليوني إنسان، يحاصرهم الخوف والموت والجوع، وحياة تتراجع أمام أمعاء خاوية، وأجساد تنحل حتى تنطفئ بصمت آخر شرايين الحياة التى تبقي من تبقى على قيد الحياة تنهار، ليكون العالم أمام وجه جديد للنكبة الفلسطينية.
وأمام حسابات أمريكية هل يمكن صرف النظر عن تبرير انسحاب امريكا من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونسكو” بذريعة أن هذه المنظمة متطرفة، وان اهم مظاهر تطرفها انها منحازة ضد إسرائيل، وتروج لقضايا مثيرة للانقسامات وتعادى السامية!. مهم جداً التوقف امام ما نشر على لسان “آنا كيلي” المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض وهى تشرح دوافع ذلك القرار التى تمثلت فى التالى: ⁃ تصنيف الأماكن المقدسة اليهودية على أنها مواقع تراث عالمى فلسطينية، تكرار استخدام اليونسكو لعبارات تشير إلى أن “فلسطين محتلة” من جانب إسرائيل، إدانة اليونسكو الحرب الحالية فى غزة!، واذا ما أضيف إلى ذلك مسارعة الكنيست الإسرائيلي للمصادقة على قرار تهويد الضفة الغربية وغور الأردن وضمّها، فى قرار وصف من قبل بعض أعضاء الكنيست وبعض السياسيين الصهاينة بأنه تاريخي يدعم كما قال رئيس الكنيست “وطننا يهودا والسامرة”، أي الضفة الغربية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الوطن التاريخى للشعب اليهودى.
وبصرف النظر عن ردود الفعل العربية وغير العربية الرافضة لذلك القرار إلا ان ذلك يضع المنطقة العربية خاصة فى ظل السياسات الأمريكية أمام تحديات استثنائية تدخل فى عالم اللامعقول كنا نحسبها من المستحيلات، وربما فى هذا السياق نجد من يريد ان يعطى زخماً لمشروع الشرق الأوسط الجديد، وهناك من قال إن هذا المشروع لم يعد وهماً، او رجماً بالغيب، او مجرد احتمالات، بل أضحي مشروعاً على الأبواب، وهذه خطوة تضرب و بلا تردد ولا هوادة حديداً حامياً مستثمراً الوهن العربي الذى لا نملك حياله إلا أن نقول “وينك يا عنتر”!.
لم يعد ينقص المشهد الراهن إلا تلك النوعية من التحذيرات الغريبة التى اطلقتها وسائل إعلام اسرائيلية من تنامى “الكتاتيب” التى تعمل على تحفيظ القرآن الكريم فى مساجد مصر خلال فترة الصيف، والذريعة التى تصل إلى حد الوقاحة من ان تلك “الكتاتيب” تنتج أجيالاً متشددة وكارهة لإسرائيل ..!، والى تلك الانتقادات التى وجهها موقع اخبارى اسرائيلي للأزهر الشريف حين انتقد أئمة أوروبيين زاروا إسرائيل مؤخراً، وانتبهوا جيداً إلى طبيعة وصف تلك المواقع لبيان الأزهر بأنه “متطرف وخطير يقارب خطاب داعش”، وكل تلك الوقائع والمعطيات، إضافة إلى ما وراء الأكمة ومما يدور فى الهمس والتلميح حوله، بات واضحاً أننا اصبحنا نواجه أفقياً وعمودياً ما هو فوق المألوف من بواعث قلق من مفاجآت، وفى رأي المحللين والمراقبين الحياديين فإن العرب اليوم أمام انعطافة غير مسبوقة لا نعلم إذا كانت ستحتل المرتبة الأولى كما يجب ويفترض، ام سيكون علينا – وهذه هى المصيبة الأكبر – قبول ما تفرضه الولايات المتحدة، (الصديقة)، والآمرة الناهية من حسابات تنطلق بأن ما ترتكبه إسرائيل من همجية ووحشية هى مقاومة شرعية تجاه (المحتل) الفلسطيني، وفى كل حال يبدو أننا أمام خطر سلام أسوأ من الحرب.


