سرُّ ما والأبجدية

0
73

إلى الشاعرِ والأديبِ: يوسف حسن

الظلُّ الذي ظلَّ يحمينا

من وهجِ الظهيرةِ

واقفٌ..

أنتَ وسرُّ النخلِ في الحكاياتِ

كأنَّكَ البيتُ

الذي لا يستوحشُهُ المحبونَ

ولا يغادرُهُ الأخلاءُ

أبا «وديعٍ»..

يا شيخَنا في الشعرِ

ويا نهارًا لا تغادرُهُ نوارسُ الحياةِ

تتأملُ البعيدَ

وتدنو كالطائرِ الأليفِ

العائدِ من النسيانِ

فوقَ أعرافِ نخلِنا تعلو

ترمي ببُسرٍ وتمرٍ

يطفئُ جوعَنا الغريبَ.

مثلُكَ..

كمثلِ حكايةِ «جلجامشَ»

تسندُ بجسدِكَ ظهرَنا المحدبَ

وتعيدُ فينا نبتةَ الحياةِ

تعبرُ بنا مسافاتٍ

تسيخُ في الوحلِ

تعيدُنا من ألمٍ

دون لوعةٍ وحيرةٍ.

من يعرفُكَ يستأنسُ بكَ

هلالُ السماءِ موعودٌ بالرؤى

من يعرفُكَ ينتمي للضوءِ

فتأتي مسرعًا

مترجلًا عن دابتِكَ

تحتضنُ أصغرَنا بشوقٍ

تسرُّحُ للغةٍ شعرَها

وتقبرُ «القبرَ» في النسيانِ

تخاصرُ الوردَ..

بحنانٍ واسعٍ يطرحُ شذاكَ.

أخشى عليكَ أيها الشجنُ

المدفونُ في الصدرِ

بركانَ سرِّ ما

حينما اجتازت منعطفَها

وأنتَ في الثبورِ من يومِكَ

تقودُ العيسَ

وتهدهدُ الرمالَ بالعاصفةِ.

دعِ الرَّكبَ

واختصرِ الوقتَ

سرُّ «ما» مكتظةٌ بالحكاياتِ

قد دُفنتْ بالحياءِ

وبين ورقةٍ بيضاءَ

اختلطَ المدادُ بالسَّبَخِ

بلثغةِ الشبقِ

وبالسكونِ الذي يرفضُ

السكوتَ في الجراحِ.

انتفضْ

واستعِدْ صباكَ

قبل أن ترميَكَ الأسئلةُ في الريحِ

ويرميَكَ النهارُ في أُتونِ القهرِ.

الوقتُ..

حزامُ الخصامِ

والعقلُ وعاءٌ للشدةِ

اتركْ خطواتِكَ للرملِ

فالريبُ عدوٌّ للرشدِ

والرشدُ نسيمٌ طيبٌ في الغفلةِ

وأنتَ الرشيدُ.

دوائرُ لا نعرفُ في سرعتِها

شِباكَ خائبةَ الصيدِ

باطنُها للأسفلِ من الضيقِ

وأنتَ الصديقُ

وصفوةُ القلمِ الرشيدِ

تخرجُ من أحشاءِ النارِ

ومن الجمرِ حكايةً

فنسيخُ في تربتِكَ

وينتفضُ الألمُ في القلبِ ليحكي

فتدخلُ الريحُ في لعبةِ الشكِ

وفي حلزونِ الأبجديةِ

تنتقي خمارَها يا أبا وديعٍ

ترمي بسُمِّها في الحياةِ.

أبي.. يا زلالَ الماءِ

أخي في مدارٍ لا يغيبُ

كياءِ السفينِ التي تبحرُ في الضلوعِ

لا تنظرْ لتعبِ السنينِ العجافِ

أرى في ما تراهُ!

سيدَ الحلمِ يعبرُ بنا بعيدًا

عن حومةِ الاكتظاظِ

تداعبُ فينا الوقتَ

دون النظرِ للضجيجِ.

أراكَ قمرًا مضيئًا

لا يتَّشحُ بالسوادِ

وعندَ الأزرقِ المتطاولِ

يسألُ «اليامالَ»

مائلٌ قد رمتهُ

سحابةُ الجفافِ بالجوعِ.

وفي «الضادِ»

أصبحتَ سيدَ العارفينَ

واقفًا في عيونِ السماءِ

تراقبُ النجومَ

وتستعيدُ تاريخَنا

في عباءةِ المتغيراتِ.

لعبةٌ أدخلتنا في الشكِّ

في المخاضِ من لعبةِ الزمنِ الكسيرِ!

وأنتَ المِدادُ عاصفٌ

دونَ قصبٍ وقرطاسٍ

يندسُّ في الكفنِ المُغيَّبِ في الصبرِ

ونحنُ على سُلَّمِكَ

لا نعرفُ الانهزامَ

أولُنا يمضغُ السكونَ بالعلقمِ

وآخرُنا يمضغُ السكونَ بالسكرِ

لأنكَ فيها تحتسي قهوتَها في ثراءِ

لثغةٍ لا تغيبُ.

نتدلى على قمركَ دونَ خوفٍ

تزرعُ الوفاءَ في أجسادِنا

فنرتدي «جبَّ» يوسفَ

وفي دائرةٍ لم تكتملْ

نزغردُ للعروسِ المحناةِ بالمحنةِ

فتقولُ لنا:

اخلعوا مساميرَكم من جسدِ الوهنِ

اعبروا فوقَ صولجانِ الحبرِ

وفوقَ أبيضَ يشتاقُ للأزرقِ

اكتبوا أوَّلَ البوحِ

قد تهايلَ بيتُ العنكبوتِ

وعادَ الحمامُ

وغابت عواصفُ الصمتِ

لتعودَ بنا توشّحُ الأصحابَ بالشعرِ

فيستحي البوحُ

ويصمتُ الحبُّ!

لأنك الحبُّ..

خليجٌ لا يعرفُ الكرهَ

ولا ينحسرُ عن شواطئِ اللغةِ

بينكَ وبينَ سرِّ (ما)

سردٌ ونثرٌ وشعرٌ على صهوتهِ

يعودُ ركبُ الحياةِ.