سياسة الضرائب وتراجع الإصلاح السياسي والاقتصادي

0
45

تكمن أهمية كلمة السياسة في التجسيد الحقيقي لها في الإدارة والسلطة والحياة العامة. وعندما يتراجع هذا الدور الرئيسي لها، بتغييب قيمتها المركزية في الإصلاح والتطوّر والتنمية؛ فإن ذلك يعني، تلقائياً، تكريس حالةٍ من الإخفاق والتراجع، في عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي.

في ظرفنا الراهن في البحرين، أصبحت كلمة «السياسة» مقترنة، غالباً، بالجمود والتراجع في الإصلاح السياسي والاقتصادي. وليس في هذا التوصيف مبالغة، عندما نتابع التصريحات الرسمية والتوجهات الحكومية، المتعلقة بما تمَّ وصفه بـ “برنامج التوازن المالي”؛ والذي تنتهج فيه الحكومة سياسة الحلول المؤقتة لأزماتٍ جذرية.. في ظل غياب الرقابة والمحاسبة؛ على ملفات الفساد والبطالة، والتشريع الحقيقي في إدارة الأموال العامة.

يتحدث الخطاب الرسمي في بلدنا عن أهمية ومكانة المواطن البحريني ومكتسباته. ولكن، هذا الخطاب الإيجابي، لا يتجاوز الكلمات إلى الأفعال؛ وكأنه ينتمي إلى أزمةٍ من الازدواجية التي تمتاز بها المجتمعات العربية دون غيرها من المجتمعات – والتي لازال الإعلام فيها يعمل بالمنهج التقليدي؛ في زمن الميديا الحديثة والعولمة الواضحة. وليست المسألة مقتصرة على الإعلام، بل تتصل بطبيعة صياغة السياسات وتحديدها بشكلٍ عام – أي عبر دوائر النفوذ والقرار التي تعمل بمنهجية الجمود والاستفراد بالإدارة والقرار.. بدلاً من منهجية الإصلاح والمشاركة السياسية؛ عبر الأدوات القانونية والدستورية الفاعلة.


اغتراب الإنسان أم اغتراب الأوطان..؟

لقد تبادرت إلى ذهني الكلمات أعلاه، عندما نقرأ في مستجداتنا المحلية في البحرين المرتبطة بالنوايا الحكومية والتحديات الاقتصادية  في مسألة المعالجة والحلول؛ للسياسات المالية ومشروع الميزانية العامة، والكتابة في هذه التفاصيل تجعلني أتحدث عن ضرورة  تجاوز الذاتي نحو الموضوعي، ولكن الانحياز للموضوعية، الذي يتجاوز الذات، سيكون نوعاً من التناقض والازدواجية؛ وسط التحدّيات والحروب الكبيرة التي تشهدها المنطقة، من حرب الإبادة على غزّة، إلى العدوان والحرب على لبنان، والتي ساهمت كثيراً بتوضيح الحقائق والتحوّلات، لقيمة الأوطان والأمان والاستقلال؛ في ظل مخاطر الاحتلال والتطبيع وطبيعة المصالح الاقتصادية والوطنية، التي تتطلب منا الوعي وتحمل المسؤولية؛ من أجل المحافظة على هويتنا ومصالحنا وحقوقنا.

دعونا نتساءل من جديد: اغتراب الإنسان أم اغتراب الأوطان..؟ نعم، نحن نعيش في هذا كله؛ من الأزمات المحلية في وطننا الصغير البحرين، إلى الحروب الملتهبة في جغرافيا المنطقة التي ترسم معالمها الجديدة بل ومعالم العالم.

أصبح التراجع المالي ونُدرَة فرص العمل في حياتنا البحرينية، يشكلان عبئاً نفسياً كبيراً على حياة المواطنين؛ خاصة الشباب والشابات والخريجين والخريجات. وعندما ترد على أسماعنا التوجهات التي تحاول زيادة الضغوط والأعباء المعيشية والاقتصادية على البحرينيين؛ فإن ذلك، يزيد من الهواجس والتحديات، على مستقبل المعيشة ومتطلبات الحياة الكريمة، رغم أن البحرين  بلد صغير محدود المساحة وعدد سكانه يقترب من المستوى الطبيعي، بالنسبة لمتطلبات السكن والتعليم والصحة؛ في ظل الامتيازات والموارد والثروات، الغنية المتوفرة في بلدنا، التي تعاني، للأسف من أزمات سياسية واقتصادية، مردّها السياسات الرسمية المتبعة  التي جعلتنا نواجه أصعب التحدّيات وأعقدها، خاصة بعد تداعيات أحداث عام 2011 وما تلاها من تبعات.


أزمة الدين العام تتصاعد بشكلٍ كبيرٍ جداً، مما يتطلب منا، مجتمعاً وحكومة؛ أن نتساءل عن الأدوار التشريعية والرقابية سواء من قبل السلطة التشريعية أو من الصحافة ووسائل الإعلام، على هذا الانحدار والتراجع في السياسات المالية والاقتصادية، وتدل تجربة البلدان الديمقراطية أهمية صلاحيات السلطة التشريعية ومساحة الجرية المتاحة للصحافة الحرّة في تنوير المجتمع، ونقد سياسات الإهمال والفساد الكامنة فيه، على مستويات الإدارة والسلطة.

إن سياسة الضرائب المتبعة من الدولة هي في الحقيقة، حلولٌ ترقيعيه وغير عادلة؛ في بلدٍ ينعم بالخيرات ومصادر الدخل المتعددة. وحديثنا هنا ليس من فراغ، بل هنالك الكثير من الدلائل والأمثلة؛ التي يستطيع الاقتصاديون البحرينيين المخلصون، الإجابة عنها بوضوح ومسؤولية. وفي هذا السياق، هنالك ملفات عديدة ومليئة بالأرقام؛ تؤكد أن المعالجة ممكنة من خلال الرقابة والشفافية؛ وتفعيل مبدأ الإصلاح والمحاسبة، فالمجتمعات الحديثة لا تستطيع النهوض أو التقدّم مِنْ دون مشاريع الإصلاح السياسي والاقتصادي. وبلدنا البحرين، يقع على رأس الدول في المنطقة الخليجية؛ التي هي بحاجة إلى مثل هذه المبادرات الإصلاحية على مستوى الإدارة والسياسة والعدالة، وأيضاً على مستوى تعزيز قيم الانتماء والهوية، فليس من العدل والإنصاف أن يبقى وطننا العزيز اسيراً لمفاهيم الشح والنُّدرَة، في حين أن المساحة والفكر والمكتسبات والقيم الطليعية والإنسانية تنشد الإنجاز والتقدّم والوفرة، انطلاقاً من قواعد المواطنة البحرينية والتأهيل المهني والأكاديمي؛ وأيضاً من قواعد الهوية والانتماء للمصلحة البحرينية العامة.

وضعنا الاقتصادي والمعيشي، وكذلك السياسي، الراهن لا يحتمل أن نصبح مختبراً للتجارب الاقتصادية والمالية، فالمطوب هو مواجهة الأزمات السياسية والإدارية، بمشاريع الإصلاح السياسي والاقتصادي.