فن تحويل الخراب إلى جمال

0
63

 في بداية الحرب الروسية الأوكرانية عرضت إحدى محطات الأخبار صوراً للأوكرانيين وهم يقومون بتغطية النصب التذكارية في العاصمة كييف بحواجز من الأسمنت والمعدن لحمايتها من خطر القنابل، ولحظتها دار في نفسي سؤال: ما قيمة هذه الأشياء أمام الأرواح التي ستزهق ضحايا للحرب، وبعدها بعامين بكيت حرقة عندما عرضت شاشات الأخبار صوراً للقصر الجمهوري وجامعة الخرطوم العريقة وقد طالتهما نيران الحرب وأحدثت بهما أضراراً جسيمة في عاصمة وطني الخرطوم، وساعتها تفهمت لماذا قام الأوكرانيون بحماية نصبهم التذكارية ومعالمهم الوطنية، فلهذه الرموز، إن أصابها الخراب، ألماً لا يقل وجعه عن وجع فقد عزيز.

الحروب في تأريخ الشعوب صفحات سوداء، وهي كما تغيّر مصائر الناس تغيّر أيضاً تاريخ البلد، وتهدم رموزاً وتبني رموزاً أخرى، تنهي حضارات وتمسح سيرتها من الذاكرة وتسطر مكانها تأريخاً جديداً، ورغم كل هذا الخراب دائما هناك ضوء في آخر النفق. صحيح أن الحرب تنهي أول ما تنهي الإقتصاد والبنى التحتية للبلد، لكن السلام إن جاء تأتي فرص وأفكار جديدة وإقتصاد جديد 

منذ عشرات السنين إبتكرت دول الإتحاد السوفيتي السابق ويوغسلافيا السابقة بعد الحرب العالمية الثانية نوعاً جديداً من الدخل المالي المعتمد على نوع مغاير من السياحة، سياحة ما بعد الحروب. شيء يشبه تحويل الخراب الى لوحة فنية، عبر المحافظة على بقايا آثار الحرب وتحويلها الى متاحف مفتوحة في الهواء الطلق، والإبقاء على الخنادق الحربية والملاجئ وبقايا الأسلحة الثقيلة من المدافع والدبابات في أماكنها التي كانت عليها وقت الحرب وتحويلها إلى مزارات تجذب السائح المهتم بالتأريخ والشغوف بمعرفة الحرب التي شكلت عالم اليوم، وفتح هذا النوع من صناعة السياحة آفاقاً اقتصادية جديدة لهذه الدول وفرص عمل جديدة لأبناء شعوبها، فبوجود  السلام يمكن تحويل الرماد الى شعلة أمل. 

ماقدونيا الشمالية دولة في عمق أوروبا كانت في الماضي تابعة ليوغوسلافيا وجدت نفسها بعد الحرب التي أدت الى تفكك الإتحاد في وضع غريبٍ، طوال تاريخها كانت مستعمرة من عدّة دول وإمبراطوريات، لم يحكمها أحد أفراد شعبها إلا بعد تفكك يوغوسلافيا، لا تحتوي عاصمتها سكوبية على أي معلم يخبر عن الحضارات التي كانت على أرضها، على الرغم من أن باقي أجزاء ومقاطعات البلاد غنية جدا بالمعالم التاريخية والمناظر الطبيعية الفريدة الجاذبة للسياحة. وأمر غريب  في عاصمة بلد يقع في قلب قارة تفتخر بأنها القارة العجوز وتباهي بقصورها من العصور الوسطى وتماثيل ملوكها وأباطرتها  أن تكون عاصمة  ماقدونيا الشمالية خالية من أي معلم يثبت أنها كانت منذ بدء التاريخ، كما هي كامل القارة الأوروبية، فهذا أمر يتطلب المعالجة.

 ولهذا قامت الحكومة هناك بفعل يعتبر سابقة في نوعه، بأن شيّدت  نصباً تذكارية  لشخصيات تاريخية في عاصمتها من كافة أنحاء أوروبا قيل أنها مرّت على أرضها، وبنت جسوراً على إمتداد النهر داخل العاصمة بالطراز الذي كانت عليه جسور القرون الوسطى، وشيّدت القصور بالفن المعماري للقرن الثامن عشر،  ومباني الحكومة لتبدو كما لو أنها كانت هنا منذ القرن التاسع عشر، حتى أنها بنت، في أكبر شوارعها، قوساً للنصر شبيهاً بقوس النصر في باريس، وسعت الحكومة بكلّ ما لديها من طاقات إلى أن تكتسب العاصمة مظهراً يثبت جذورها التأريخية ويلحقها بركب الصناعة السياحية، والنتيجة التي حصلت عليها هي سخرية جيرانها الأوروبيين والنكات التي أطلقوها على هذه المعالم.

 قيل إنّ القصور في عاصمة ماقدونيا الشمالية تمّ بنائها بمرمر إبتاعته حكومتها من شركتي البيع الإلكتروني الصينية “تيمو” و”شي إن”. قيل أيضا إنّ عاصمة ماقدونيا الشمالية تحتوي على مئة وثلاثين نصباً تذكارياً وتماثيل مصنوعة من الكرتون المقوى، وأنّ الجسور فيها مبنية بالبلاستيك. وبسبب هذه السخرية وسمعة التزييف التي إلتصقت بها تدفق السياح على عاصمة إسكوبيه لرؤية هذه المعالم والنصب المزيفة والتقاط الصور لنشرها على مواقع التواصل الإجتماعي، وفي  المحصلة النهائية فإن ماقدونيا الشمالية نجحت، بشكلٍ أو بآخر، في تحقيق هدفها في صناعة السياحة، واستطاعت اللحاق بركب قارتها في إثبات عراقة عاصمتها وماضيها القديم.

كان لسوريا أيضاً في أواخر أيام حكم بشار الأسد، وبعد انتهاء الحرب الأهلية خطوة واعدة في صناعة السياحة بعد الحروب، فقامت وزارة السياحة فيها بدعوة أشهر أصحاب القنوات السفر والرحلات من “يوتيبرز” إلى زيارة أرضها بعد الحرب ومشاهدة البلد، وهي تحاول استعادة عافيتها شيئاً فشيئاً بعد حرب قبل  بأنه  نتجت عنها أكبر رحلة نزوح و شتات في العصر الحديث، وقد تابعتُ زيارة “يوتيوبر” كولومبي شهير لسوريا، قدّمت له الدعوة من وزارة السياحة السورية،  فجاء الى سوريا قادماً من تركيا، وعبر الأراضي االسورية من أقصاها الى أقصاها، وبثّ ما شاهده في حلقات حظيت بأعلى نسب مشاهدة في قناته. 

وعلى كثرة ما عرضته قنوات الأخبار عن فظاعة الحرب السورية، كان فضول المتابعين لرؤية ماحدث في سوريا  بعين جديدة وسماع القصة من أفواه أهلها كبيراً، لأنهم رأوا جانباً  من الحدث لم تعرضه قنوات الأخبار، خاصة وانه قدمت لهذا الكولومبي الشهير  كافة التسهيلات وحرية التنقل وإجراء المقابلات وإبداء رأيه  في ما يراه، فصوّر بعدسة كاميرته أطفال سوريا وهم يركضون في الشوارع حفاة متسخون لكنهم سعداء لأنهم إستطاعوا أخيراّ اللعب في أمان، كما صوّرت كاميرته الخنادق والمخابئ التي خلفتها المليشيات والتنظيمات المسلحة، وصوّرت أيضاً المنتجعات السياحية وقد تحولت الى خراب ونمت فيها الحشائش والأشجار العشوائية، كما صوّر كيف أن أشهر وألذ المأكولات والصناعات السورية اليدوية  يمكن شرائها بأرخص الأثمان بعد أن فقدت الليرة السورية الكثير جدا من قيمتها.

إنها صور سوريالية تحكي كيف أن الخراب ينشأ في عمق الجمال، وأن الجمال يوجد في قلب الخراب ..لا فرق كلاهما يدفع في النفس الرغبة في  المشاهدة والتأمل، كما بدا ذلك في فرحة العاملين في قطاع السياحة برؤية عودة السياح متمثلين في شخصه ولطف تعاملهم وكرم الضيافة، وفيما التقطته كاميرته من صور المعالم التاريخية لتذكير العالم أن سوريا أرض للحضارة، كما أظهرت حياة الناس بعد الحرب وكيف أن الحياة في النهاية تنتصر دائما على الموت. 

كانت الحلقات من أجمل ما شاهدت على يوتيوب الناطق بالإسبانية وحققت نجاحاً كبيراً. إنها خطةة مهمّة  في مشوار صناعة السياحة ما بعد الحروب، أتمنى أن تليها خطوات وخطوات تقود سوريا الى الآفاق المرجوة في عهدها الجديد، فصحيح أنّ الحروب تهدم لكن السلام أن أتى يصلح معه كل شيء، والخراب الذي لا يمكن ترميمه لا يجب هدمه بل  بالقليل من الجهد  يمكن تحويله إلى قطعٍ فنية،  الخنادق والملاجئ  بالكثير  من الإعلان يمكن أن تصبح مزارات جاذبة.