يقول الشيخ الرئيس: “المستعد للشيء تكفيه أضعف أسبابه.” كلما تقدمت تجاربي في الحياة أدركت أكثرَ أن الإيمان لايمكن إثباته بالعقل بل إن العقل قد يفسد الإيمان في بعض الأحيان، وأن الإيمان هو الوجدان القلبي والعاطفي، عندما يؤمن الإنسان بعقيدة ما يتحول الى طاقة ديناميكية يصعب الوقوف في وجهها وكلما زاد العنف ضد معتقده زاد تمسكه به وإصراره عليه. لستُ قادراً بعْد على فهم هذه الحالات أو التشكيك في مدى صدق مدعيها ولو لم يكونوا صادقين مع أنفسهم وما اعتقدوا به لما دفعوا حياتهم في سبيله.
ربما من أكثر الأشياء التي اجتمع عليها المسلمون بكل مذاهبهم وتفرعاتهم العقائدية ألّا نبي بعد النبي العربي محمد (ص) وأن النبوة ونزول النص السماوي قد انقطع بعده، وأي شخصية تدعي النبوة في الأزمان المتأخرة ستلاقي رفضَ واستهجانَ العامّةِ فضلاً عن الخاصة. أما في الحديث عن البابية التي دعى لها علي محمد الشيرازي (الباب) والتي آمنت بها ونظّرت لها الطاهرة (الشخصية ومحور الرواية)، لا أستطيع القطعُ إن كانت هي مذهب مشتق من الديانة الإسلامية محوره ظهور الموعود (المهدي المنتظر/ الباب) أو أنها شريعة جديدة تبشيرية مشتقة من الديانات السماوية محورها التنبؤ بظهور المبجّل (عودة المسيح/البهاء)، أو أنها تدمج الإثنان معاً حسب نبوءة الشيخ أحمد الإحسائي (1753-1826م) بأن الموعود سيظهر أولاً ثم يمهد الطريق لظهور/عودة المبجل، ولأجل ذلك -بحسب النص الروائي- لابد من امتلاك مفاتيح الحكمة التي ستؤدي الى فتح الباب وظهور الموعود الذي سيبشر بعودة المبجل.
يعتبر الشيخ الإحسائي الملهِم الأول لفكرة ظهور الموعود وفي تحديد زمنه وكان تفسيره للقرآن -بحسب الرواية وكاتبتها تنتمي لذات العقيدة- تفسيراً يبحث فيه عن نبوءات المستقبل وعن الرموز وتؤيلاتها وكان يعتمد كثيراً على تأملاته الشخصية، وهي واقعاً طريقة غير مألوفة في التفسير مع تنوع التفاسير التي منها مثلاً التفسير الظاهري والباطني والفلسفي…الخ. وعلى مايبدو أن الإحسائي وظّفَ بعض الأفكار الفلسفية للفيلسوف صدرالدين الشيرازي المعروف بملا صدرا (1572-1640م) في سبيل تفنيد أفكار صاحب الأسفار، منها مثلاً إشارته الى المعاد الروحاني، وترقي الرمز (الشخصية) عبر الأسفار الوجدانية. كان الإحسائي ومن بعده تليذه المريد سيد كاظم الرشتي يبشران بأن هذه العلامات الروحانية قد بدأت بالتحقق في شخصيةٍ ما وأنه سيظهر قريباً، وأن المعرفة بهذه الأمور تعد المفتاح الذي سيفتَحُ به الباب والعلامةُ التي سوف تدل عليه. انتقلت هذه الأفكار عبر تلميذه السيد كاظم الرشتي ومنه وصلت الى الطاهرة من خلال ابن عمها محمد علي البرقاني…
انبهرت الطاهرة بهذه الفكرة وآمنت بها بعد مراسالات جرت بينها وبين السيد كاظم الذي سماها قرة العين في أولى رسائله، ثم آمنت بالفكرة كعقيدة بعد أن أعلن الباب للجماعةِ عن نفسه بأنه الموعود الذي يمثل الظهور الأول، ونذرَت الطاهرةُ نفسها لخدمتِهِ بعد أن وجدت فيه العلامات التي حددها أساتذتها من قبل ووجدت الطاقة الروحية في رسائله ثم انتقلت الى التبشير بالعقيدة الجديدة على أنها عقيدة لم تكن سرية بل تبشيرية.
كانت قرة العين فائقة الذكاء محبه للمعرفة وهي تنتمي الى عائلة إقطاعية ثرية والدها يملك الكثير من الأراضي وهو الملا صالح، كبير آل البرقاني في مدينة قزوين، وكانت تملك صلابةً وفصاحة في الخطابةِ الى جانب الحضور الكارمزي المؤثر.
وعلى مستوى الرواية لكاتبتها البابية/ البهائية كلارا إيدج نجد الكثير من الإسقاطات على الشخصية والأحداث وحتى الأفكار، والكاتبة على مايبدو متأثرةً بأفكار الحداثة أكثر من تأثرها بعقيدة قرة العين يظهر ذلك من خلال استخدام الكثير من المفردات الحداثوية مثل المساواة ونزع الحجاب وتحرير المرأة…الخ، وهذه الأفكار بطبيعة الحال لاتنتمي بأي شكل مع زمن أحداث السيرة مطلع القرن التاسع عشر 1817م ولا الى طبيعة المجتمع ذلك الوقت، مع أن الطاهرة امرأة فريدة كانت تمثل حضوراً وظاهرة نسوية استثنائية، ولكن تبقى الأفكار الحداثوية التي قدمتها المؤلفة وفق الإطار الزمني للشخصية تقع في اللامفكر فيه كما يقول أركون، مما أوجد خللاً في السرد الروائي قد يبعد القارىء في لحظات ليست بالقليلة عن زمن بطلة الرواية، إلا أنها لخّصت بعض أهم أفكار البابية/ البهائية بحيث يمكن اعتبارها مدخلاً لمن يريد البحث أكثر في طبيعة هذه العقيدة نشأتها وتحولاتها.
واللافت أيضاً هو تطرق الكاتبة للقرويات والفقراء الذين لايرتدون الحجاب والذين هم أكثر حرية من عوائل الأثرياء الذين يشددون على لبس الحجاب والتقيد بتعاليم وأعراف مجتمع الأثرياء والذي يعد الحجاب جزءاً أساسياً فيه، وهي إشارة الى أن الحجاب في ذلك الوقت كان من بين أدواره استخدامه للتمييز الطبقي بين نساء الإقطاعين الأثرياء والفلاحين وأهل القرى والفقراء، وكانت الكثير من نساء الأثرياء يغبطن القروايات على مستوى تحررهن، مع أن القرويين لهم أعراف ربما أشد من تلك التي عند الأثرياء في جوانب اجتماعية أخرى.
واقعاً أقف متحيراً من شخصية الطاهرة مترفَةِ الثراء، ثاقبة الذكاء، باذخة الحضور والمعرفة أن تنذر حياتها القصيرة كلها من أجل فكرةٍ هي بمعطيات زماننا وطريقة تفكيرنا الحالي فكرةً ساذجة ليست رصينة فكرياً ووجدانياً وعقائدياً إنما جاءت من وحي رؤى وأحلام تأتي في المنام وتأملات فردية. تحولت الدعوة البابية الى الديانة البهائية وهي بحسب بعض التعريفات ديانة إبراهيمية منفصلة عن الدين الإسلامي معتنقيها من الأقليات، موحدون يؤمنون بالله الواحد وبوحدة الأديان كلها. ويعتبر بهاء الله حسين علي النوري هو المؤسس.
ظهور هذه العقيدة أو الديانة الجديد في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي/الثالث عشر الهجري وبهذا الشكل والسرعة غريباً، ولكنه ليس مستغرباً على بلاد فارس ذات التنوع الكبير بلاد الأديان والمذاهب والمعتقدات القديمة والجديدة والذهنية العرفانية التأملية هذه التنوعات تشكل فسيفساء السجاد الإيراني بنسيجه بالغ التعقيد.
نقتبس من الرواية ما يشكل الخلاصة: “بمثل هذه الروحانية، اعترفت (الطاهرة) بإيمانها بعظمة (الباب) ودعوته، وبالمظهر التالي الذي سيلقّب (بهاء الله)، والذي سبق التبشير بظهوره (الشخ الإحسائي والسيد كاظم)، أنه سيأتي ‘بمجد الآب السماوي’ ” ص196. وبهذا تكتمل أركان الدين الجديد الذي سيُعرفُ أتباعه بالبهائية. بظهور نبي فارسي ثري (حسين علي النوري/ بهاء الله) كان يعيش في قصر له في مدينة نور في طهران 1820م قد شكّل إلهاماً لبعض المتعصبين للقومية الفارسية من طبقة الأثرياء أصحاب النفوذ فهو يحمل صفاتهم وأحلامهم، من هنا -وإضافة الى ماتعرضوا له من قمع الدولة القاجارية التي تعتمد الشريعة الإسلامية- يمكن أن نفهم مقتَ معظم معتنقي هذه العقيدة للمسلين الفرس وللجمهورية الإسلامية ولماذا كان سعي معظمهم للإطاحة بها منذ بداية تأسيسها. بحسب رؤيتهم القومية المتشددة يعتبر الدين الاسلامي امتداداً لثقافة العرب، وهذه بطبيعة الحال فكرة غير دقيقة لأن الدين الإسلامي قد امتزج بالحضارة الفارسية منذ زمن بعيد، وأن كل الدول والإمبراطوريات التي مرت على إيران منذ بداية العصر الإسلامي الى اليوم هي دول ذات طابع إسلامي فارسي، كما تأثر الفرس بالعرب كذلك تأثر العرب بالفرس بصورة يصعب تفكيكها.
يعتنقد الديانة البهائية أشخاص من إيران ومن دول بعيدة عن إيران تجد من بريطانيا (مثل كلارا كاتبت الرواية) وأمريكا واستراليا إضافة الى آذربيجان والهند وتركيا ومناطق اخرى حول العالم وعددهم بحسب الإحصائيات التي وجدتها على موسوعة ويكيبيديا حوالي 7 ملايين موزعين حول العالم.
تعامل الشاب ناصر الدين شاه القاجاري 1848م ورجال السلطة الذين تحت إمرتِهِ ووشايات بعض كبار رجال الدين، برعونةٍ شديدة مع أتباع الدعوة الناشئة حديثاً بهدف القضاء عليها تماماً، حصلت معارك وفوضى قُتِل فيها الكثير من البابيين وتم إعدام جزء كبير ممن تبقى منهم الى أن أعدِمَ أصحاب الدعوة نفسهم علي محمد (الباب) و حسين علي (البهاء) وصلولاً الى فاطمة البرقاني القزوينية (الطاهرة). والحقيقة أنك إذا تعاملت مع ظاهرة دينية ناشئة بالقمع المفرط والقتل من أجل القضاء عليها مبكراً، فإن النتيجة – حسب الشواهد التاريخية العديدة – ستكون عكسية تماماً، وأن الظاهرة ستزداد ديناميكيةً وانتشاراً بالتدريج مع الوقت، وسيزيد القمع والتقتيل ضدها من قوتها الأيديولوجية التي ستضيف لها دافعاً يمكن توظيفُهُ عقائدياً لبقائها واستمراريتها.


