الشهيد كمال عدوان .. صورة الثائر في شبابه

0
214

الزمن: الثلاثاء 10إبريل 1973. حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل رنّ جرس الهاتف في منزل القاضي شكيب الجيوسي في البحرين. قام ابنه سليمان بالرد. على الجانب الآخر من الخط سمع صوت شقيقته (أم رامي) تكلّمه من بيروت. سألها: “ماذا هناك؟”. ردّت: “دخل أشخاص وقتلوا كمال”. تحدّث سليمان بطريقة لا يفهم معها الأب ما الذي حصل، وقال لها: “غداً صباحاً أصل إليك على طائرة الميدل إيست (طيران الشرق الأوسط اللبناني)”. في التاسعة صباحاً وصلت والدة السيدة مها وشقيقاتها وشقيقها سليمان قادمين من البحرين، وقبلهم كان شقيقها الأكبر مأمون قد وصل من العاصمة الأردنية عمّان بالسيارة، كما جاء أصدقاء كمال ومحبوه من قطر حيث كان يعمل قبل تفرغه للثورة.

تلك كانت لمحة خاطفة من شهادة السيدة مها الجيوسي (أم رامي) زوجة الشهيد كمال عدوان كما روتها للباحث الفلسطيني الدكتور أحمد جميل عزم في مقابلة معه عام 2016، والمنشورة في كتاب “كمال عدوان – رجل في ثورة وثورة في رجل”، (سلسلة ذاكرة فلسطين من إصدارات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت أغسطس – الطبعة الأولى 2024 – 455 صفحة). يتكوّن الكتاب من ستة عشرة فصلاً بدأها في الفصل الأول بقراءة أولية للحظة إغتيال الشهيد كما روتها السيدة مها الجيوسي (أم رامي)، ويختم الكتاب في فصله السادس عشر بتفاصيل ومعلومات إضافية عن عملية الإغتيال كما وردت من مصادر مختلفة، وهو بذلك يقدّم صورة متعددة الأبعاد لتلك الليلة المشئومة من إبريل 1973، والتي اشتهرت بإسم عملية ” فردان” نسبة إلى الشارع الذي كان يسكن في إحدى بناياته الشهيد.

 تمّ إقتحام شقّة كمال عدوان تلك الليلة وقتله بثمانية وخمسين رصاصة أمام أعين زوجته وأطفاله (تطلّب الأمر سنوات طويلة حتى تخفّ آثار تلك الصدمة على أم رامي والأبناء). إستشهد في العملية أيضاً كمال بطرس ناصر (1924 – 1973) الذي كان مسؤول الإعلام في منظمة التحرير الفلسطينية، وكان يسكن بشقة في الطابق الثالث من البناية نفسها، كما تمّ قتل محمد يوسف النجار (1930 – 1973)، رئيس جهاز الأمن والمعلومات في فتح، ومسؤولها في لبنان الذي كان يسكن في العمارة المقابلة. حقد القتلة على كمال ناجم بالدرجة الأساسية كونه مسؤولاً عن العمل الفدائي في الأراضي المحتلة، وكان يلقب بكمال الغربي. نُفذّت عملية الإغتيال بالتنسيق بين الموساد والجيش الإسرائيلي بقيادة إيهود باراك الذي كانت ينتظر القتلة أسفل البناية متنكراً بملابس نسائية (أصبح في نهاية تسعينيات القرن العشرين رئيسًا لوزراء إسرائيل). قاتل الشهيد كمال عدوان هو الضابط أمتاي نحماني، وقد تمّ قتله بعد انتهاء العملية بسبعة أشهر في حرب أكتوبر 1973، حين كان يقود وحدة تنكرت بزي جنود مصريين.     

ما يمكن قوله بداية إن الكتاب يقدّم مساهمة كبيرة في تجسير الفجوة الكبيرة ما بين شهرة الشهيد كمال عدوان (1935 – 1973) ومكانته الكبيرة في ذاكرة النضال الفلسطيني من جانب، وعدم وجود أي توثيق أو مرجع معتمد لسيرته وتجربته النضالية. الكتاب ثمرة بحث استغرق سنوات من الباحث الذي يشغل حالياً منصب أستاذ مشارك في العلاقات الدولية في جامعة قطر، وله سيرة أكاديمية وبحثية مرموقة، كما شغل عضوية المجلسين الوطني والمركزي الفلسطينيين، وترأس لفترة تحرير مجلة “شؤون فلسطينية”.بذل الباحث جهداً ملحوظاً في قراءة وتحليل وثائق غير منشورة من رسائل ويوميات ومخطوطات للشهيد كمال وإعتمدها كمصادر أولية، بالإضافة إلى مقابلات عديدة، أهمّها تلك التي قابل فيها 28 شخصاً من عائلته في غزّة والأردن وأصدقائه في فلسطين ولبنان وقطر. ما يلفت النظر والدهشة في نفس الوقت هو أن وثائق الشهيد تشمل أيضاً 12 رواية وقصة قصيرة (غير منشورة) استفاد منها الباحث في تحليل أفكار كمال عدوان، ويورد منها مقتطفات عديدة في كتابه.

بالطبع سيصعب علينا استعراض الكتاب القيّم وإيفائه حقه في هذه السطور المتواضعة، لذلك فعندما عنوننا مقالنا بتعبير “صورة الثائر في شبابه” المستوحى من عنوان رواية هنري جيمس الشهيرة: “صورة الفنان في شبابه”، كان قصدنا الإشارة إلى بعض الومضات الموجزة التي جسدت سعي كمال عدوان لنحت وصقل هويته النضالية في حقبة مبكرة، ولكنها شديدة الأهمية في الكفاح الفلسطيني، وهي عقدا الخمسينات والستينات من القرن الماضي. لماذا؟ لأن شباب كمال تزامن مع سنوات البحث المحموم عن إجابة عملية على أسئلة شائكة، تبدأ كلّها بـ “ما العمل؟”. ما العمل للخروج من نتائج نكبة 1948؟، ما العمل حيال التشابك المعقد بين القضية الفلسطينية ومصالح الأنظمة الحاكمة في العالم العربي؟، ما العمل تجاه صراع وتناحر الأشقاء أبناء الوطن الواحد، الذين وإن وحدتهم قضية تحرير فلسطين، إلا أن الأيديولوجيات والأطر الحزبية التي انتموا إليها، فرّقتهم وأضعفت تحالفاتهم؟

 لا عجب إذن حين خصص الباحث الفصول العشرة من إجمالي ستة عشرة فصلاً لكمال عدوان الشاب حتى منتصف الستينات، بدءأ من ولادة كمال عام 1935 في قرية ” بربرة” قرب عسقلان، ثم لجوئه مع عائلته إلى غزّة في 1948، ودراسته في مصر، وعمله اللاحق في السعودية وقطر كمهندس بترول، قبل أن يتفرغ نهائياً للعمل النضالي في أواخر الستينات. تلك كانت المحطات الأساسية في حياة كمال عدوان، واستعرض الكتاب تفاصيلها لأول مرة. ما يثير الإهتمام على وجه الخصوص الضوء الذي سلّطه الباحث في الفصول السبعة الأولى من الكتاب على تجربة كمال عدوان مع تنظيم الإخوان المسلمين في قطاع غزة آنذاك في فترة حسّاسة اتسمت أيضاً بوجود قوي للحزب الشيوعي الفلسطيني في القطاع بقيادة الشاعر معين بسيسو.

 يذكر الباحث أن كمال نشط في أوساط جماعة الإخوان المسلمين بدءاً من عام 1951 ولمدة ثلاث سنوات، ثم بدأت الخلافات تزداد حدة بينه وبين التنظيم، وحسب تعبير الباحث “حدث صدام إختلط فيه الشخصي مع السياسي والديني”.  وأشار الباحث إلى أن “إصطدام كمال مع الإخوان المسلمين كان بسبب محاولتهم تقييد حريته الفكرية، والسياسية، والشخصية”. وصلت الخلافات إلى درب مسدود حين تعرض كمال في 1955 إلى عقاب بالنفي لمدة شهرين من الجماعة بسبب خلاف مجهول التفاصيل، وردّ كمال في رسالة غاضبة وجهها الى مسؤوله كتب فيها: “تأكد أنني أقدّر الشيوعي المخلص لشيوعيته أكثر من المسلم المتخاذل، لأنني أعتبر الأول مفكراً وعاملاً مخلصاً أخطأ السبيل، كما أخطأ الفلاسفة والعظماء من قبل.” (ص 112)، وفي رسالة أخرى يواصل حجته: “مهمتنا أن نناقشه في تفكيره وآرائه .. فهو إنسان أراد الخير والإصلاح فضلّت به فلسفته” (ص 113). نلاحظ أيضاً أنّ موقفه من القوميين لا يختلف: ” قالو إن القومي شاب لا يعرف ربه .. قلت حرام عليكم فهم أقرب الناس إلينا .. إن إسلامي يقول “أحب لنفسك ما تحب لأخيك” (ص 113). 

هذه المواقف تعكس شجاعة نادرة في قول ما يعتقده، كما تُجسد حسّاً سياسياً براغماتياً سيتبلور لاحقاً لدى العديد من قادة “فتح” الذين خرجوا من معطف (الإخوان) في تلك السنين. بالطبع لم يكن كمال عدوان وحيداً في موقفه أعلاه (تجاوز الخلافات الأيديولوجية لصالح الهدف السياسي)، إذ نلاحظ أيضا أنه في نفس العام الذي كتب فيه عدوان رسالته أعلاه، شهدت غزّة انتفاضة كبيرة في مارس 1955 ضد مشروع تهجير وتوطين سكان القطاع إلى سيناء، وقاد تلك الإنتفاضة تحالف مشترك بين الحزب الشيوعي الفلسطيني في غزّة بقيادة سكرتيره العام الشاعر الفلسطيني معين بسيسو مع الإخوان المسلمين في القطاع بقيادة فتحي البلعاوي (الذي سيترك الإخوان لاحقاً وينضمّ الى الأعضاء المؤسسين لحركة فتح). إستطاعت تلك الانتفاضة بزخمها الجماهيري والوحدة الوطنية التي سادت بين قادتها وقف مشروع التهجير المشؤوم آنذاك. تبرز تجربة العمل المشترك النادرة، واليتيمية تاريخياً، بين الشيوعيين والإخوان في غزّة إبان تلك الانتفاضة بأن خصال القادة السياسيين تلعب أحياناً دوراً يتجاوز كثيراً الإطر الأيديولوجية والتنظيمية التي يعملون في ظلها، لأنهم يمتلكون ما يمكن أن نطلق عليه بصيرة سياسية لا تسمح للخلافات الثانوية بأن تطغى وتعمي عن رؤية الهدف الرئيسي.

لخّص الباحث في الفصل التاسع ما يراه جوهر “الفكرة الحركية” كما قدّمها كمال في مخطوطاته ومراسلاته مع أصدقائه في الخمسينات ومطلع الستينات. ترتكز هذه الحركة على ستة مبادئ: أولاً: الأولوية هي العمل من أجل فلسطين، ثانياً: السمو فوق الأيديولوجيات، إذ يمكن أن يجتمع المستقل والشيوعي والإسلامي والقومي ويعملون معاً، وثالثاً: أن يتخلى هؤلاء عن أحزابهم وعن الحزبية، ورابعاً: أن يتوقفوا عن التدخل في شؤون الدول العربية الأخرى، وخامساً أن يؤسسوا تنظيماً مقاتلاً من أدواته العمل العسكري، وسادساً أن يعملوا على إنشاء كيان فلسطيني ” جمهورية ” تجمع الفلسطينيين وتمثلهم من أجل تحرير وطنهم.” (ص 184). ربما تبدو هذه الأفكار للبعض الآن نوعاً من طوباوية ثورية إلى حدٍ ما، إلا أنها في زمنها كانت جديدة، وذات طابع عملياتي، والأهمّ أنّها ساهمت في تشكيل حركة ” فتح” ولاحقاً منظمة التحرير الفلسطينية.

يختم الباحث كتابه واصفا الشهيد: “كان، وهو المهندس العنيد المعتدّ برأيه ونفسه حتى الحدّة والعصبية أحياناً، رجل الائتلاف الفكري الأهم في الثورة الفلسطينية، القادر على تجاوز الخلافات، جمع حوله في نهاية الستينات، كتّاباً ومفكرين ومثقفين يصعب أن يتفقوا لولا وجود قائد مثل كمال.”

بعد استشهاد القادة الثلاثة في عملية “فردان”، رثاهم محمود درويش في قصيدته الشهيرة “طوبى لشئ لم يصل”، يقول مطلعها: “هذا هو العرس الفلسطينيّ. لا يصل الحبيب إلى الحبيب إلاّ شهيداً أو شريداً.” كما قال فيها: “طوبى لشيء غامض. طوبى لشيء لم يصل. فكّوا طلاسمه ومزّقهم. فأرّخت البداية من خطاهم”. هناك دلالة عميقة خلف كلمات درويش، فهو يمدح شيئاً لم يصل. هدف لم يتحقق. إنه شرف المحاولة للوصول الى غاية صعبة المنال، بدلاً من الاستسلام للذل والخنوع.  كتب درويش: “السفح أكبر من سواعدهم ولكن حاولوا أن يصعدوا، والبحر أبعد من مراحلهم ولكن حاولوا أن يعبروا.”