مدينةُ الدموعِ المتعلّقةُ بقشةِ المفاوضات

0
47

في هذه المدينةِ التي يحسبُها الناسُ قادمة من عالم الأساطير، والحكايات الخُرافية، تتكسرُ كلّ يومٍ تماثيلُ الأبطال في طوابير التكايا، وتتحطم أواني الأطفال الفارغة أمام القدور التي لا تكفي لجموع الجائعين، وتتقطّع قلوب الأمهات إثر صرخات الأطفال الذين لا يجدون ما يأكلون…

ينطفئ دخانُ المصباح السحري، ويختنق الماردُ من حرّ الخيام المثبتة في الرمال الحارقة، يحاول أن يطفئ نارها فيلسعُه الماءُ الأُجاجُ الذي يغسلُ بِه يديه، ليس له سوى أن يغرفَ يديْه في البحرِ المفتوحِ أمام ناظريه، المغلقِ في وجهه…

 يستبيحُ العالمُ الصامتُ المتخاذلُ دمَه، دون أن يوقف الإبادة الجماعيّة، ودون أن يعطيه حقّه الطبيعي في الحياةِ، أو يرحم ضعفَ المدنيين الذين لم يكن لهم يدٌ فيما جرى، فلا مكانَ آمنٌ في القطاع، ولا تأشيرةَ سفرٍ تُمْنَح للغزيّ الذي ينوي النجاةَ بنفسِه من المحرَقة، لا سبيلَ للخلاصِ فقد كَتَب القدر عليه القَتلَ والقتال وهما كُرهانِ له!

في ليل المدينة المحاصرة المعبّقِ برائحة البارود، المشتعلِ بنار الغارات، يهرب الأطفال إلى الحكايات التي لا تستطيع النساءُ قَصّها قبل النوم؛ فزعًا من الطائرات التي تقض مضاجعهنّ، وتقلق منامهنّ، وتخترق خصوصياتهنّ، وتحرمهنّ من أن يعشنَ لحظاتِ السعادة مع عوائلهنّ…

يعيشُ الأطفالُ الحلمَ، ينتقلون في منامهم عبر بساط علاء الدين السحري إلى الجزر البعيدة، ليلقوا فيها سندبادَ المرهَقَ من المغامرة والترحال، يأملُ الجائع الخائف أن يجد في استقباله أبسط الطعام الذي قطعَه الاحتلالُ عنه؛ لغرض كسر إرادته، وإجباره على الانصياع أو الرحيل، لا يطمعُ بالكنوز، ولا يستقبل الهدايا، كل ما يريده هو أن يحصل على ما يسكت به عصافير بطنه عن الزقزقة…

يُحْكِم الموتُ قبضته على غزة المحاصرة، ويذبح السّهاد عيونها التي تحرسُ بقلقٍ المدينة، ليس في يديها شيءٌ، وليس في استطاعتها أن تواجه الغيلان، فلا تجد إلا أن تفترشَ العذابَ جمرًا تضع رأسها عليه!

 تحاصر قواتُ الاحتلال شرقها وشمالها وجنوبها، وترتكبُ الفظائع في من تبقى من أهلها، وتتركُ النازحين في غربها تحت رحمةِ جنودها، تتساقط منشوراتُ الإخلاء تباعًا، وتصدح طائرات الكواد كابتر بأصوات مسجلة تحذرُ الغزيين في المدينة بأنهم في منطقة قتال خطرة، وعليهم الانتقال جنوبًا؛ حفاظًا على حياتهم، يلوح في الذاكرة مشهد الرابع عشر من أكتوبر، حين أجبرت قوات الاحتلال الغزيين في الشمال على الانتقال إلى الجنوب، تحت تهديد الصواريخ والحزامات النارية، وبضغط من الاتصالات المسجلة والمباشرة عليهم.

 تتنازعُ القرارات حول البقاء في المدينة الأمِّ التي افتديناها بالأرواح؛ محاولين حماية ما تبقى من البلاد، وليس التدميرُ الكاملُ لمخيم جباليا (وما حوله من الشمال) إلا انتقامًا من الوجود الفلسطيني الذي وقف صامدًا لأكثر من سنة، مثل حجر عثرة أمام مخططاتهم التوسعية، فقد أبى أحفاد المهجّرين في المخيم أن يسجّل التاريخُ نكبةَ أجدادهم مرتيْن، أو أن ينفذوا مخطط التهجير، فلم يمتثلوا لأوامر الجيوش، ولم ينتقلوا إلى الجنوب، لكنّ التفوق العسكري الإسرائيليّ حقق الغلبة على الغزيّ الذي وقف وحيدًا أعزلَ دون دعمٍ أو مؤازرة، فخرج من المعركة خاسرًا كل شيء، حتى وجوده!

يستيقظُ الغرقى الغزيّون كل صباح، متشبثين بقشّة المفاوضات، متعلّقينَ بطرفِ حبالِ الأمل؛ عَلّها تأتي بتهدئةٍ مؤقتة أو وقف دائمٍ لإطلاق النار، لا فرقَ، فقد أُنهك الجبابرة من تجريبهم أصناف العذاب، وهل هناك عذابٌ أكبر من البحث الدؤوب عن النجاة في بلدِ الموت والخراب، ومن الجري المستمر بين زخّات الرصاص، وقذائف الدبابات، وصواريخ الطائرات، ثم النزوح الذي لا ينتهي إلى وجهةٍ معلومةٍ أو آمنة؟!

يتلقفُ الكلُّ أخبار التهدئة، ترتفعُ نشوتُهم حينَ تُسرّب الأطراف رغبتها في الموافقة على الاقتراح، وحين تؤكد الوساطات القطرية والمصرية قرب التوصل إلى اتفاق، ثم تنحدر المعنويات مثل حجر متساقط من القمة إلى القاع، حين يعلن أحد الأطراف رغبته بالتعديل على المُسوَّدة…

تتبعثرُ الكلمات، وتتجمعُ الدموع في المآقي، حين يتسرب خبرُ مغادرة أحد الوفود دون توقيع الاتفاق، الكلُّ المُلتاعُ في غزة يريدُ أن تكون الموافقة (نعم دون لكن)، لكنّ المتنعمين في الخارج لهم آراؤهم وتعديلاتهم، التي لا يستطيع أبناء الميدان -الذين تتساقط دماؤهم، وتتهاوى أجسادهم، وتُقطع أشلاؤهم، وتُدمّر منازلهم في غزة- التعديلَ عليها.

من يستمعُ إلى رغبة الكل المُعلنة في غزة التي تطالبُ كلَّ ثانيةٍ بوقفِ شلالِ الدم؟ ومن يلتفتُ ليوقف الغيلانَ التي تستعد للانقضاض على المدينة؟ ومن يمكنه أن يواجه شبح التهجير الذي يلوح في الليالي الأليمة والنهارات المنكوبة؟ من ينقذُ المدينةَ قبل أن ينفجرَ البُرْكانُ المحمّلُ بالرماد والرّكام؟! من يحمي مليون نازحٍ يطلقون صرخاتِ بقائهم الأخيرة، وهم على شفا حفرة من النار؟ 

ليس للغزيّين وسط الترقّبِ الحزين من مطلبٍ سوى أن يفرضَ القرارُ الحاسمُ بضرورة إنهاء المَقْتَلَة بأية وسيلة كانتْ، فلا شرفَ أبقى من صيانة الأرواح، وحماية الأعراض، ولا ثمَنَ أغلى من الثمن الذي يدفعونه كل يومٍ من ضياعِ ممتلكاتهم، ودمار مساكنهم، وفقد أهلهم وأحبتهم وصحابهم.