البطالة وتسريحات العمالة الوطنية .. مؤشرات تراجع مخيفة

0
83

قرار وزير العمل بالوكالة يوسف بن عبد الله خلف بتثبيت 47 موظفاً وموظفة من العاملين (المؤقتين) في وزارة العمل خطوة في الاتجاه الصحيح، فمعاناة هؤلاء الموظفين وأسرهم امتدّت لأكثر من ستة عشر عاما.  مجموعة من هؤلاء العاملين كانوا في فترات محددة على تواصل دائم معنا، من اجل الحصول على حق تثبيتهم، وقد حاولنا ذلك مراراً، فهذا أبسط حق يقرّه حتى قانون العمل البحريني وكل ما يتصل به من مسوغات إنسانية وقانونية، إلا أننا كنا دائما نصطدم بالردود التقليدية المعتادة، مثل أنّه لا توجد ميزانيات، وأن هيكل الوظائف في الوزارة لا يسمح بذلك.. إلخ، ليأتي وزير العمل المكلف ويحلّها بجرة قلم وقرار وطني مسؤول!!

وبالمثل، تابعنا ونتابع ملفات تثبيت العديد من عمالتنا الوطنية حتى اللحظة في شركات صغرى وكبرى أو فصلهم منها، دون ان نحصل على اجابات شافية او حتى مطمئنة، فقط يكفي ان تستبدل ادارة تنفيذية بأخرى أو  مجلس إدارة بآخر، لتجد أن أسرع وأسهل قراراتهم (المبتكرة) التي لا تحتاج إلى عناء  او تفكير هو البدء في التخلص من العمالة الوطنية!، ومن الملاحظ أنه يتم البدء بمن انهوا سنوات خدمة طويلة او نسبية في تلك الشركات، كما حدث مؤخراً في شركة (اسري)، لتقابل شركات أخرى كبيرة هذا التوجه بدراسة المزيد من حزم “بكجات” الفصل دون رحمة ودون دراسة.

يجري ذلك في الوقت الذي تردنا تقارير موثقة عن أن بعض هذه الشركات مستمرة في توظيف عمالة وافدة وبالمئات، برواتب مجزية لتحلّ محل العمالة البحرينية المسرحة، فيما شركات كبرى تعمم على موظفيها “بكجات” أخرى أشد قسوة وبلا رحمة بنية تخفيض مئات الوظائف لديها لتحيلهم على التقاعد المبكر، في وقت تعلن فيه تلك الشركة عن مئات الوظائف الجديدة عبر وسائل الإعلام! دون ان نسمع عن نيتها لخفض وظائف العمالة الوافدة!

 هذه الإجراءات والتوجهات غير المسؤولة والتي لا تعطي اهتماما بأهمية وأولوية العمالة الوطنية، التي يعج بها سوق العمل البحريني كثيرا ما تستند على مواد محددة في قانون العمل البحريني في القطاع الأهلي، خاصة المادة (110) والتي تنص على: “يجوز لصاحب العمل إنهاء عقد العمل بسبب إغلاق المنشأة كلياً أو جزئياً أو تقليص حجم نشاطها أو استبدال نظام إنتاج بآخر بما يمسّ حجم العمالة، على ألا يتم إنهاء العقد إلا بعد إخطار الوزارة بسبب الإنهاء قبل ثلاثين يوماً من تاريخ إخطار العامل بالإنهاء، وفي غير حالة الإغلاق الكلي للمنشأة يتم مراعاة عدم إنهاء عقد العامل البحريني الذي يتمتع بنفس كفاءة وخبرة العامل الأجنبي الذي يعمل معه في المنشأة”.

استنادا على نصّ هذه المادة، نلاحظ حجم التعسف الذي تمّ ويتمّ بحق العامل البحريني، وعدم الالتزام من قبل العديد من الشركات والمؤسسات، بل ومحاولتها الالتفاف كثيرا على النصوص وتحويرها،  بما يخدم توجهات بعض الإدارات التنفيذية أو مجالس الإدارة، التي نستشعر أحياناً كثيرة أنها ليست في وارد الاهتمام بأوضاع العمالة الوطنية التفكير أو مجرد التفكير فيه،  وفي الأوضاع المعيشية والأمن الاجتماعي، أو في مسؤولياتها المجتمعية كشركات قائمة ومستفيدة ومربحة لمساهميها تستفيد من وجودها على هذه الأرض، بل هي أصلاً لا تفكر حتى ضمن رؤية البحرين 2030 والتي تنص على اولوية العامل البحريني، وتركز على الاستدامة والعدالة والتنافسية، علماً بأن مجلس النواب، وفي اكثر من فصل تشريعي، بما في ذلك الفصل التشريعي الحالي، حاول ولازال يحاول تعديل هذا النص إلا أنه ما يصطدم، في كل مرة،  بمعوقات وحجج ورفض لا يمت للمنطق بصلة ومن بين تلك الحجج أن سوقنا مفتوح وان القطاع التجاري غير راض، وأن ذلك سيؤثر على جاذبية البحرين أمام الاستثمارات الخارجية.. إلخ.

في الخلاصة أقول، إننا أصبحنا اليوم، وبكل أسف، نعيش واقعاً معيشياً صعباً، وواقعاً اقتصادياً أصعب، دع عنك كل ما يساق من أرقام وعناوين مبهرة تُسوّق وكأنها حقائق، فالأمور  أضحت تتم متابعتها بالعين المجردة، وهي تخبرنا أن هناك تخبطاً وفوضى عارمة وفساداً مستشرياً  ومحسوبيات، وبرامج خصخصة ظالمة، مُهمشة لكل ما هو بحريني،  تآكلت معها فرص أبناء الوطن في الحصول على وظائف، وقرارات غير مدروسة وتراجعاً اقتصادياً يُصوّر وكأنه ازدهار، وبطالة مرهقة، ومشاكل مجتمعية متفاقمة، وشبابنا بدأ يفقد تدريجيا الأمل في المستقبل، وبدأت جموع ليست بالقليلة من الكفاءات تُفكر في الهجرة، فيما تتفشى في صفوف الشباب أمراض اجتماعية مثل بيع وتعاطي المخدرات  والأمراض النفسية وحالات الاكتئاب المتزايدة، علاوة على تزايد حالات الطلاق والتفكك الأسري وغيرها الكثير، أضف إلى كل ذلك ما تحدثه حالات الفصل التعسفي تلك من ضغوط متزايدة على الصناديق التقاعدية التي توشك أصلا على الإفلاس وتحتاج إلى مشاريع إنعاش عاجلة!!

بات الأمر يحتاج إلى وقفات جادة وصادقة، تنطلق من إرادة وقرارات عليا تتجاوز كل ما يدور من ترقيعات وتراجعات وفوضى وإفلاسات وتسريحات وتلاعب والتفاف على القوانين، حتى نستطيع ان نكون اوفياء حقا تجاه قضايا شبابنا من الجيل الحالي والأجيال القادمة، وليست هذه مسألة عسيرة أبداً. فقط تحتاج أن نتقن الاصغاء أولاً وأخيراً لمشاكل الناس ومعاناتهم، وإلى وقفات عملية وجادة من قبل المعنيين، وفي مقدمتهم الحكومة والدولة.