بخفة المتسلل لا بجزع المقتحم داهم أنس مهجة الفؤاد بلا ميعاد.. نحو ملاذه في آخر جمعة زيارة خاطفة بعد غياب “دام لأكثر من شهر” عانق فيها زوجته التي قوست كثيفاً ذراعيْ الانتظار.
حمله الشوق إلى طفليه وصمم على إيقاظهما، احتضنهما طويلاً كأنما يملأ من حبهما ما يفيه للرحيل القريب. ثم استلقى مرهقاً على السرير فاتحا ذراعيه، تقول زوجته بيان السنوار “تحدثنا طويلاً، كانت ملامحه تشي بإنهاك لم أره منه قط، لأول مرّة يعبر عن شوقه لراحة ولعيشة بسيطة خالية من القلق والتهديد””.
هي المرّة الأولى بلا هواتف ولا أنباء عاجلة، لم يعبأ شيئاً في صدره سوى شعوره، في مقلتيه سكون يتحسس الوداع. قبيل أن يلوّح بالمغادرة، كانت خطاه بوقعٍ حاد على قلب زوجته، التفت لها بابتسامته المأمونة “موعدنا يوم ميلادك، راجع وفي يدي هدية لك”.
جاء يوم ميلادها في 14 أغسطس ببرود جنائزي لم يأتِ فيه أنس بهدية، بل عاد محمولاً على الأكتاف. صاحت “افتحوا الكفن أريد أن أرى وجهه وأقبل وجنتيه”، لكن من حولها رفضوا، فأنس “بلا عينين” أسدل بصره لمثواه الأخير..
راح نكسر ظهرك بزوجتك وأطفالك يا أنس، لقد عرفنا مكانهم وسنقتلهم!”، كان هذا الشكل الجديد للتهديد الأخير الذي تلقاه أنس في اتصال من جيش الاحتلال، عانى بعده وجل الفقد، طلب من زوجته مغادرة المنزل بشكل عاجل. قلق شنيع تناول أنس حتى رمقه الأخير “قبل الغارة بخمس دقائق، هاتفها وفي صوته شجن “مش عارف أقعد يا بيان خايف عليكم، أهرب للتغطية لكن عقلي مشغول بكم.. عليكم أن تغادروا غزة لجنوب القطاع، إذا وضعت الحواجز بين الشمال والجنوب، لن تمري بسلام، سيبتزونني بكم والموت أهون عليّ من ذلك”. لكن جاء قاطعاً “يمكنني فعل أي شيء إلا أن أبتعد عنك، انزع الفكرة من رأسك”.خمس دقائق فقط بين إغلاقها الهاتف وغدر الغارة.
في العزاء، تجتمع أمهات الشهداء حول والدته، ومن مدخل السرادق تتساءل زوجات الشهداء عن مكان زوجته وهنّ لا يعرفنها، الناس هنا سواء في رعونة الفقد. يهمسن “ارفعي رأسك، زوجك مفخرة، تعب كثيرا وآن له أن يرتاح”. تبكي بحرقة “أشعر أنه سيباغتني باتصال أو زيارة ليُكذّب ما يقولونه.. قلبي يتآكل.. من يعيده إليّ؟.
من يلمح أنس لا يملك ألا أن يألفه.. يملك وجهاً يفرج عن ابتسامة حية لطالما كانت تذيع أخبارا سارة وسط الغارات القاتلة، أو تنبيه شديد نود أن نشيح عنه أرواحنا دون أن تمس الواقع.
أنس اليافع الذي يغزل كلماته بين قسوة الحرب ورهافة الأمل شيع أصدقاءه ورافق وحدته ببسالة متناهية تقوده لمجزرة يوثقها لنا قبل أن يخمد دخان القذائف. يتحرك بين النساء والأطفال والشباب فنود لو أننا نمسح عنهم آلامهم بابتسامته ذاتها؛ كأننا نأمل أن يطل يوماً ويبشرنا بنهاية الكابوس.
لم ينته الكابوس.. متسمرين من هول الأحداث وما زلنا في مكاننا، تشيعنا عبارة “التغطية مستمرة”، ماء أعيننا لن يفي كل هذا الدم المسفوح؟ لن يفي كل هذه الطفولة الميتة العالقة في أظافر الطغاة.. حيث بدت الحقيقة وحيدة.. حيرى وحزينة.. وأضحت الفضائل مستهجنة غريبة.. وانهارت المبادئ على صخور المصالح.. وأذاع اللسان ما يأبى الضمير!.
ومن المفارقات البغيضة أن أجيال متعاقبة سالت حولها دماء المجازر.. لكنها كانت جاهلة بما يحدث، وفيما بعد لمست الأدخنة والجروح الغائرة من الرواية الشفهية والإذاعات والصحف. لكننا الجيل “الأقل دماً” في تاريخ الإنسانية، جيل العلم الكامل بتفاصيل الأشياء، جيل تُبث له المذابح بثاً مباشراً على الأثير وتُدين وتشتم وتسخر من الشهداء ومنه..


