السبيل لإصلاح منظومة التقاعد وتخطي عجزها

0
113

 في العدد السابق من نشرة التقدمي، وتحت  عنوان “تحديات إصلاح التقاعد ونهج إدارة سوق العمل في البحرين”، تطرقنا إلى تأثير السياسات النيوليبرالية على إدارة سوق العمل، وكيف انعكست بشكل سلبي على استدامة وكفاءة إيرادات صناديق التقاعد. فالعلاقة بين الاشتراكات التأمينية وآلية إدارة سوق العمل وثيقة، واستمرار الدولة في النهج الحالي أدى إلى تراجع أعداد الداخلين الجدد لسوق العمل وتزايد أعداد العاطلين من المواطنين. وهو ما كشف بوضوح عجز الدولة والقطاع الخاص عن توفير فرص عمل لائقة، الأمر الذي يفرض مراجعة قوانين العمل وآليات إدارة السوق المفتوح على مصراعيه بلا قيود تحمي العمالة الوطنية.

فالبيئة التنافسية غير العادلة تميل لصالح العمالة الوافدة الرخيصة، بينما تُستحوذ على الوظائف ذات الأجور المرتفعة بسبب ضعف التشريعات وغياب المتابعة الجادة من الأجهزة التنفيذية.

وزاد الطين بلة توجه الدولة لتصفية القطاع العام عبر الخصخصة في قطاعات خدمية أساسية: الكهرباء والماء، البلديات، المواصلات، إلى جانب بعض أقسام وزارتي الصحة والتعليم، والعديد من الخدمات المساندة. كما جاء برنامج التقاعد الاختياري ليضاعف العبء على صناديق التأمينات الاجتماعية.

وبذلك ظلّت صناديق التقاعد تواجه عجزًا متناميًا؛ بدأ اكتواريًا ثم تحول إلى عجز حقيقي نتيجة السياسات التشغيلية الضعيفة. هذه السياسات قامت على فرضية أن الداخلين الجدد إلى سوق العمل سيكونون أضعاف الخارجين، وبأجور أعلى، وهو ما لم يتحقق على أرض الواقع.

لذلك، فإن إصلاح منظومة التقاعد في البحرين لا يمكن أن يقوم إلا على مواجهة جادة وصريحة للأسباب الحقيقية التي أدت إلى ضعف التمويل، إلى جانب وقف الهدر، ومعالجة سوء إدارة الاستثمارات بخطوات عاجلة وحاسمة، أهمها:

  1. معالجة جذرية لملف توظيف المواطنين، وذلك عبر تعديل التشريعات بما يكفل أولوية فرص العمل لهم وبأجور عادلة تؤمن حياة كريمة، مع متابعة دقيقة للتنفيذ.
  2. تحمل الحكومة التبعات الاكتوارية الناتجة عن إلغاء صندوق تقاعد النواب، وكذلك التكلفة الاكتوارية لموظفي الدولة الذين أُحيلوا للتقاعد المبكر عبر برامج عدة، منها برنامج التقاعد الاختياري.
  3. التعامل مع تنامي العمالة غير المنظمة، والتي تشكل أكثر من 30% من القوى العاملة البحرينية وتحرم التأمينات من اشتراكاتهم. وبعد رفع نسب الاشتراكات أصبح من شبه المستحيل أن يلقى التأمين الاختياري قبولًا، فكيف يمكن للعامل أن يدفع 27% من دخله الشهري للاشتراك؟ لذا تبرز الحاجة إلى تشريع جديد يضمن إدماج هذه الفئة بتكلفة معقولة، على أن تتحمل الدولة نصيب صاحب العمل في الاشتراكات.
  4. إدارة استثمارات صناديق التأمينات بشفافية ومهنية، بعيدًا عن أي توجيه سياسي أو اعتبارات لا تصب في صالح الصناديق.

إن معالجة أزمة التقاعد في البحرين لم تعد تحتمل المزيد من الترقيع أو التأجيل. الإصلاح الحقيقي يبدأ بمواجهة مكمن الخلل: سياسات العمل، غياب العدالة في السوق، تراجع دور الدولة، وسوء إدارة الموارد. وبدون ذلك، ستبقى صناديق التقاعد في دائرة العجز المتكرر، على حساب مستقبل المتقاعدين وحقوق المواطنين.