في غمرة هذا التأزم العميق، حيث التأزم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي أفرز عوائق ومحناً تزداد يوماً بعد يوم بسبب عدم إيجاد حلول للخروج من عنق الزجاجة، ورغم طبيعة هذه الأزمات بالنسبة لنظم وقوانين لا تخدم إلا أصحاب واضعي هذه النظم والقوانين. والسبب ليس هذه الأزمات فحسب، بل أن هناك مسببات أخرى تعرقل حلولاً لهذه الأزمات، حيث بسبب عدم وضع حدٍ لاستمرارية تفاقمها هناك الأسوأ، فإننا كمجتمع يعاني من أزمات تضررنا منها، وكوننا المتضرر الأول الذي يدفع ثمنا باهضاً في ظروف قاسية في السوق والعمل والصحة والسكن والتعليم والتنمية وغيرها.
ولأننا الأكثر تضرراً نحن الأكثر تحمساً لإيجاد حلول لهذه المعاناة المؤلمة طوال هذه السنين، حيث سبق وأن وضعنا تصوراتنا وبرامجنا للحيلولة للخروج من هذا النفق القاسي، لكن بسبب مصالح الفئات الأنانية التي تسعى لمصالحها البرجوازية والعقائدية بحكم الكسب دون الرجوع للمصلحة العامة التي تخدم المواطن المنهك المضطهد والذي يدفع ثمناً غالياً لهذه المغامرات.
علينا أن لانشتت أفكارنا في اتخاذ قرار لإيجاد حل لهذه المعضلة للوقوف على مكمن أساس الخطأ، علينا أن نطرق موضوعاً رغم حساسيته لابد لنا من طرحه، حيث يشكل عصباً رئيسياً في الوقوف على مدى تفاقم العراقيل التي يعاني منها مجتمعنا بسبب عدم حلها والتي تسببت في استفحال هذه الأزمات، ومن هنا يتحتم علينا أن نضع في الحسبان دراسة المد المتهور والمتطرف الايديولوجي الذي يصر على تزعم قيادة المجتمع منفرداً بحجة الأولوية للايديولوجية أو المذهبية وفي هذه الحالة نبقى (مكانك راوح)، نبقى في دوامة الإنقسامات المذهبية، وكل من يعتقد أنه صاحب الرؤية الصحيحة، ما يجرنا نحو المربع ذاته ويجرنا أيضاً نحو المشروع في إدارة نظم تعج بالتناقضات والصراعات.
في القرون الوسطى وظّف النظام الإقطاعي الدين لمصلحة السلاطين وملّاك الأراضي، حيث أن السلاطين يدعون بأن الله هو الذي نصبهم على الناس، ومن هنا أصبح الاقتصاد الإقطاعي غير قادر على توفير العيش الكريم ولم يلب رغبات المجتمع وتطوير طرق الإنتاج كونه في صراع مستمر مع المنتجين، حيث أصبحت أراضي الناس عرضة للاستغلال والنهب، الأمر الذي جعلهم محبطين، لكونهم لم يملكوا الوعي الطبقي، فمن الضروري أن يتفهموا البناء قاعدة عريضة، عليهم أن يقيسوا الأمور طبقيا وليس بأمور عاطفية، ومن أجل تحقيق تقدم اجتماعي واقتصادي لابد من تحالف طبقي راقٍ بعيداً عن العواطف ويناضل نضالاً لاهوادة فيه، ومن هنا لابد أن نحدد كيفية بناء الوطن، هل على مذهبية طائفية أم وطنية؟
فإذا كانت مذهبية ستكون (فصل الدين عن الدولة) خطوة صحيحة وإذا كانت وطنية، حيث أغلبية المجتمع من الغالبية الوطنية والكادحين لها أن تكون الخطوة الأصح، وذلك لكي تسن الوطنية قوانينها وتشريعاتها ويكون للدين له استقلاليته، وهذا سبب استحالة التوصل لإصلاح حالنا المتفاقم والمتردي على الدوام، ولذلك بحت حناجرنا في كثير من المواضيع، ونحن نحذّر من الغوص في وحل العصبيات والإثنيات والطائفية، وها هو الجيل الجديد اليوم تعلم وتشبع بهذه المدارس ولأنه لا يقرأ ولا يتفقه، بالغ في الغلو والمزايدة والمعظم يصفق لهذا (النجاح) الذي يصعد على السطح بتزايد ملفت، بعد هذا، ما العمل؟؟
في الحقيقة إن الكثير من يعرف الحقيقة ولكنهم يخفون رأسهم في الرمل كالنعامة، والبعض يلجأ للعنف الناعم تشويه الطيف الآخر وحرقه اجتماعياً دون الوقوف والتمعن مكتفين بالمثل (لاعبوني والله بخرب)!
علينا أن نتأمل إفرازات ما يدور على الساحات في الوطن العربي من حروب ومآسي، تشن لأجل مصالح تحت غطاء ديني، يستغلون فئة ويجيشونها ضد فئة أخرى، رغم أن الطرفين طيبون وعفويون لا يضمرون حقداً لبعضهم البعض، لكن أصحاب المصالح يتربصون ويريدون لهم التقوقع في دائرة الخطأ والطائفية والتطرف، يتخوفون من حوار لابد منه طال الزمن أم قصر، يجب اغتنام الفرصة لكي لا نصبح مثلما تراه أعيننا الآن من دول عانت من سيل الدم والانقسامات التي فككت هذه الدول، وفي أمورٍ نؤكد صحتها بأن الصحوة هي امتداد للتطور وكسب التفاعل الاجتماعي الذي يستوعب نهضة شعبنا من خلال تلاحمنا وتآخينا وبقناعة وطنية صلبة.
كلنا ننشد حرية المعتقد لأنه عصب الحرية مادام كل منا يحترم الآخر وكل مواطن عليه واجبات مثلما له احتياجات لوطن نريد له الرقي والتقدم والإزدهار والنهضة.. وطن حر وشعب سعيد.


