لا يختلف اثنان على أن الوطن العربي يعاني من علّةٍ مرضيّةٍ أفقدته القدرة على المضي قُدماً وأنه يبدو كالرجل الكسيح يربض مكانه لا يقدر على الحركة، وما يزيد الأمر سوءاً أنه الآن يمر بمرحلة فاصلة بين البقاء على قيد الحياة أو الموت، وهو -والحال هذه- أقرب للأولى منه إلى الثانية. فلا الثقافةُ ثقافةً أصيلة تدفع نحو التقدم ولا الهويةُ هويةً جامعة تجمعُ شتات الأمة بمختلف تنوعاتها. في مثل هذه الظروف يخرج جنّيّ التساؤلات الإشكاليةِ من قُمقُمِهِ ويبدأ في التساؤل بِجِد؛ ما المشكلة الأساسية التي جعلتنا نصل إلى هذا الحال، هل تكمن في القوى الرجعية دينية كانت أو سياسية أو مجتمعية؟ أم في التعامل مع الاقتصاد والقوى الإمبريالية؟ أم في التعددية المذهبية والطائفية؟ أم في الاستبداد بمختلف أنواعه؟ أم في التنوير والأفكار الغربية المستوردة دون عناية أو العولمة الاستهلاكية؟
انتخَبَت كلّ جهة ثقافية واحداً من هذه التساؤلات وجعلتهُ سبباً وراحت تقترح الحلول، ولكن إذا أخذنا تساؤلاً واحداً دون العناية بصندوق الأسئلة المتراكمة الذي ضيّقَ على الجنّيّ قمقمَهُ، ستأتي النتائج والحلول بالتأكيد ناقصة. سيتعصب الطرف الذي شخَّصَ المشكلة من جهتِهِ وقعّدَ الحلول لرأيهِ دون الآراء الأخرى، وهذه مشكلة في حد ذاتها يصعب تفكيكها أو إرضاء أصحابها أو المناوئين لها من الأطراف الأخرى التي تحلل بدَوْرها وتشخّص وتضع حلولاً في جهة معاكسة لسابقاتها، ويبقى السؤال: أين المشكلة؟ عالقٌ حتى إشعارٍ آخر.
ومن تشابُكِ الأسئلةِ وشَعَثِ الأجوبةِ التي تبدو كأنها أسلاك الكهرباء في الأحياء الفقيرة، يطل علينا الاستعمار بوجههِ الإمبريالي الإحلالي بقناع جميل يُظهر الود ويقترح حلولاً بل يفرضها غالباً، ويستميل هذا الطرف ويحرّض ذاك الطرف ويتعمّد اللعبَ بنا لعبتَهُ الخبيثة التي نعرفها كلنا إلا أننا في غمرة الفعل ورد الفعل والتراشق بيننا ننسى ذلك الوحش المتربّص بخبثه ودناءةِ أخلاقِهِ. بعد الإجابة على بعض التساؤلات الشائكة تلك وبعد تحليل وقراءة مطوَّلة يقترح معظم المثقفين أن الحل الحقيقي يكمن في الدولة المدنية الديموقراطية. جميل جداً ها قد وصلنا الى الحل إذن، ولكن كيف يمكن ذلك التحقق؟!
تعالوا نتصور أن الوطن العربي قد تحققت فيه دولةٌ مدنية ديموقراطية ينعم فيها شعبها بالتعددية المجتمعية والحرية، لنفكّرَ أين من المفترض أن تكون هذه الدولة جغرافياً؛ ماهي حدودها؟ نعلم جيداً أن وطننا العربي مقسّم تقسيماً بحيث يصعب أن تقوم على هذه التقسيمات دولة بهذه المواصفات المذكورة، ولنكن واقعيين أكثر ونقول: إننا لو أردنا أن نقيم دولة عربية ديموقراطية علينا أن نلغي على الأقل بعض الخطوط الوهمية التي رسمها سايكس بيكو وهنري مكماهون واللورد كرومر…الخ، ونمشي بقاعدة:”وحدُّ بلادِ الناس حدُّ لغاتِها”، وهذا يتطلب اعتماداً كبيراً على النفس وتحررها من قبضة الاستعمار والهيمنة. إذن فهو خَيار غير متاح في الوقت الحالي على الأقل وأنت ترى حالَ الأمّةِ ودولها المشتتة، هذا ناهيك عن حركة المجتمع ومستوى تطوره وطريقة تقبله لفكرةٍ لم تختمر وتنضج بعد بالنسبة له ولا حتى لفئة غير قليلة من المثقفين فيه. وحتى نعي تشابك الأمور ببعضها، و “أن الحال واحد” يذكّرنا هذا الوضع بفكرة حل الدولتين المقترح لدولة فلسطين بالتزامن مع ضياع جغرافيّة الدولة واستقلاليتها بسبب الاستيطان المستمر والفصل العنصري، وهو مقترَحٌ لا يمكن تطبيقه حتى على الورق. هذا أولاً…
وثانياً: تعالوا نسأل أنفسنا هل نشوء دولة عربية ديموقراطية في هذا المحيط العربي ممكن بحكم قواعد السياسة والجغرافيا (الجيوبوليتكس)؟ الجواب طبعاً لا، في ظل وجود دولة احتلال مارقة لا تريد لأي أحدٍ جوارها أن ينعم بالسلام بل وحتى أبعد جيرانها مسافةً عنها. في حالة قلنا إننا نريد دولة عربية ديموقراطية ونرضى بوجود دولة الإحتلال فإننا نطلب الشيء ونقيضه وهذا محال عقلياً. يقول تيم مارشال في كتابه “سجناء الجغرافيا” وهو كاتب انجليزي يتبنى السردية الاستعمارية ويروّج لها: إن أمريكا لن تدعم أي ديموقراطية عربية. ويقول أيضاً: عندما حكم الفرنسيون المنطقة اتبعوا النموذج البريطاني “فرق تسد”…
أرى -متواضعاً- أنه لا يوجد حل واحد لمعضلة الأمة العربية بل هناك عدة حلول متسلسلة على شكل هرم ينبغي النظر فيها جميعاً حسب الأولويات من القاعدة الى القمة. قاعدةُ هذا الهرم أمُّ المشاكل تكمن في دولة الاحتلال ونظام الفصل العنصري ثم مشكلة الرضوخ التام للهيمنة الاستعمارية وإملاءاتها، ثم تأتي بعد ذلك معضلة الاستبداد التي لا يمكن فصلها عن القاعدة الأولى وهي مرتبطةٌ بدورها بالموضوع الذي يليها، أعني التعددية والنزاعات الطائفية…الخ. يجب ألا يغيب عن ذهننا دور الاستعمار وأن نضعه دائماً كأولوية تبدأ منها مشاكلنا الجوهرية ونضعه تحت التحليل والنقاش والإشارة وفضح مكامن الشر فيه، وهو سبب أساسي وجذري في مشكلتنا الكبرى: الدولة القومية الحديثة.
إضافةً الى مجموعةِ مشاكلَ أخرى يجب على الباحث والمثقف أن يُعمِلَ فيها النظر والرأي ولا يتخطاها أو يتجاهلها، منها مثلاً تقبُّل الآراء الأخرى وطرحها والتفاهم للوصول الى حل حقيقي، والتمييز الصحيح بين الذات والآخر… وإن معضلتنا طويلةُ الأمدِ عميقةُ الغورِ متينةُ البنيانِ تحتاج الى معاولَ حقيقيةٍ ثقيلةٍ لتفكيكها وهدمها ثم إعادة البناء من جديد، شرطَ أن تكون مادة البناء هي الركام نفسه حتى لا ننسى هُويتنا وتراثنا وأصالة ثقافتنا.


