قبل أربعين عاماً كنّا في موسكو

1
321

تشكِّل مهرجانات الشباب والطلاب العالمية التي ينظمها “اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي (WFDY)، حدثاً هاماً فعلى مدار ثمانين عاماً، وبالأخص بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في التاسع  من مايو 1945، بالانتصار الكبير الذي حقَّقه الاتحاد السوفياتي والحلفاء في الحرب على النازية الألمانية والفاشية الإيطالية والعسكرية اليابانية،  وبروز الاتحاد السوفياتي كقوة عظمى ومعه دول المنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية، وانتشار الأفكار الاشتراكية في العالم بشكل واسع، ما أعطى دافعاً كبيراً لحركات التحرر الوطني في البلدان العربية والعالم في نضالها ضد المستعمرين ومن أجل الحرية والاستقلال الوطني والديمقراطية والتقدم الاجتماعي والسلم، فكانت الأفكار الاشتراكية تستقطب الآلاف من الشباب حول العالم ممن رأوا في الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية الأخرى نماذج للتغيير والثورة على المستعمرين المحتلين لبلدانهم والحكام الطغاة الذين يمارسون الاضطهاد والاستبداد ضد شعوبهم وينفِّذون أجندة المستعمر الأجنبي.

 وبرأي كارل ماركس فإن النظرية العلمية  ليست لتفسير العالم بل لتغييره، بالتأكيد من خلال القيام بالثورة مثلما حدث في روسيا على يد البلاشفة الثوار في أكتوبر من عام 1917 بإسقاط حكم القياصرة وإقامة أول نظام اشتراكي في العالم بقيادة  فلاديمير إيلتش لينين، ومن هنا كانت أنظار الثوار في العديد من دول العالم آنذاك شاخصة نحو روسيا الثورة الاشتراكية، لهذا كان صمود ومقاومة شعوب الاتحاد السوفياتي في وجه القوات الألمانية النازية الغازية وفيما بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية في أعوام 1939/ 1945، مبعثَ فخرِ واعتزازِ  الشعوب التوَّاقة للانعتاق من سطوة القوى المستعمرة والإمبريالية.

أول مشاركة بحرينية

عودة للمشاركات في مهرجانات الشبيبة والطلبة، فإن أول مشاركة لوفد شبابي بحريني في مهرجانات الشباب والطلبة العالمية، كانت في موسكو عاصمة الاتحاد السوفياتي في عام 1957، في المهرجان العالمي السابع للشباب والطلبة، بوفد يتراوح بين ستة إلى سبعة أشخاص شبان، وبعدها توالت المشاركات في مهرجانات الشباب والطلبة العالمية التي ينظمها (WFDY)، ونحن هنا بصدد مشاركتنا في المهرجان الثاني عشر للشباب والطلبة العالمي في موسكو أيضاً صيف عام 1985، حيث مضى عليه أربعون عاماً.

 نُظِّم المهرجان في الفترة من 27 يوليو إلى 3 أغسطس من عام 1985، وحضره 26 ألف شخص من 157 دولة. وكان شعار المهرجان “من أجل التضامن والسلام والصداقة ضد الإمبريالية”، وكان يردد الشعار باللغة الروسية (مير، دروجبا، فستيفال)، يعني (السلام، الصداقة، المهرجان) أقيم حفل افتتاح المهرجان في أستاد لينين آنذاك في العاصمة موسكو، بحضور حوالي مائة ألف من الوفود المشاركة والشبيبة الروسية الكومسومولية، امتلأ بهم الأستاد.

افتتح المهرجان بكلمة ميخائيل غورباتشوف الذي كانت قد مضت خمسة أشهر فقط على انتخابه أميناً عاماً للحزب الشيوعي السوفيتي، خلفاً لقسطنطين تشيرنينكو، وأصبح غورباتشوف أخر  زعيم سوفيتي، بعد أن ساهمت سياسته الجديدة المعروفة بالروسية  (البيروسترويكا والجلاسنوست) في انهيار الاتحاد السوفياتي،  وبعد كلمة غورباتشوف سارت الوفود المشاركة في المهرجان وهي تحمل أعلام بلدانها ويلبس أفرادها ازيائهم الوطنية،  وهو ما فعله  أيضاً وفد البحرين المشارك في المهرجان، وما لا ننساه أنه بعد انتهاء حفل الافتتاح أمطرت السماء أمطاراً رعدية بغزارة، قيل لنا بأنه تمَّ تبديد الغيوم بواسطة طائرات رشَّت في الأجواء مواداً كيميائية قبل افتتاح المهرجان، الذي تمّ بدون أمطار. كان النشيد الأممي يصدح في مدرجات الأستاد بكل لغات العالم، وبلحن واحد ليشكل لوحة بانورامية غنائية جميلة. كنان حلمنا نحن معشر الشبيبة الطلابية والعمالية والمثقفة البحرينية المنظمَّة في اتحاد الشباب الديمقراطي البحراني (أشدب) في تلك الأيام زيارة موسكو عاصمة أول بلد اشتراكي في العالم، وتحقق حلمنا برؤية ذلك البلد الذي طالما سمعنا عنه وقرأنا عن أدباءه الكبار العظماء أمثال دوستويفسكي، مكسيم غوركي، تولستوي، تشيخوف، بوشكين وغيرهم.

كنا نمنُّ النفس بأن نحضر بدار الأوبرا باليه بحيرة البجع المشهورة في مسرح البولشوي، واحداً من أشهر المسارح في العالم، لكن لم نوفق في الحصول على تذاكر، لأنها نفدت، بسبب وازدياد الطلب من قبل المشاركين في المهرجان.

حضرت المهرجان شخصيات معروفة من الوطن العربي والعالم، مثل الشيخ إمام عيسى الفنان المصري الكبير رفيق درب الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم رأيته في إحدى القاعات يعزف على عوده ويغني. وفي إحدى الساحات التي غصَّت بالحضور كانت الشيوعية الأمريكية السمراء أنجيلا ديفيز (البروفيسورة والاكاديمية) تلقي خطاباً ضد الإمبريالية وتصفها بالعدوانية والعنصرية والكراهية تجاه السود في أمريكا وضد الشعوب المناضلة من أجل الاستقلال الوطني والمساواة والعدالة الاجتماعية.

حظي الوفد الشيابي البحريني مثل غيره من الوفود بحسن الاستقبال والضيافة من قبل شبيبة الحزب الشيوعي السوفياتي (الكومسومول)، منذ وصوله موسكو، حيث بدأ البرنامج المقرر، ففي المساء كانت لنا جولة في نهر موسكو، وشارك أعضاء الوفد في فعاليات المهرجان، وكان أهمّ نشاط قام به حملة التضامن مع المعتقلين والسجناء السياسيين، ولاسيما مع المناضل والفنان الراحل مجيد مرهون الذي كان محكوماً بالمؤبد ومضى على سجنه سبعة عشر عاماً، فبالرغم من نيل البحرين استقلالها الوطني في 14 أغسطس عام 1971، لم يُطلق سراحه، وقد أُُرسِلت سبعة آلاف بطاقة تطالب حكومة البحرين آنذاك،  بإطلاق سراحه، وكذلك المطالبة بإطلاق سراح المناضل الكبير الراحل أحمد الشملان حيث مضى على سجنه خمس سنوات بعد عودته للبحرين في عام 1981.

قبل أن نغادر موسكو قصدنا الساحة الحمراء، فكيف نزور موسكو ولا نذهب لأشهر ساحة في الاتحاد السوفياتي، هناك الكرملين حيث مقر الحكومة والرئيس، وفيها ضريح لينين والقادة السوفييت، وقفنا ننتظر دورنا في طابور طويل من أجل الدخول للضريح ورؤية جثمانه المحنط. حاول البعض من الروس المعادين لأفكاره دفنه في إحدى المقابر الروسية ولكنهم لم يفلحوا. بعد الدخول إلى ضريحه وبصمت وهدوء ألقينا نظرةً على ذلك الزعيم الكبير الذي غيَّر روسيا وساهم بأفكاره بتغيير العديد من البلدان في العالم وألهمت أفكاره الملايين من العمال والكادحين والمثقفين في العالم. ليس بعيداً عن الساحة يقع مبنى وزارة الخارجية، ومسرح البولشوي الشهير، وأجمل الكنائس والمتاحف، وقبر الجندي المجهول.

بعد أربعين عاماً على مشاركتنا نتذكر تلك الأيام الجميلة والرائعة التي عشناها في موسكو، فكانت الحياة إبَّان الاتحاد السوفياتي بسيطة تختلف عن هذه الأيام في روسيا، وبالرغم من الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، بقيت القوى الإمبريالية وغيرها في العالم تخشى هيبة وقوة الاتحاد السوفياتي.

1 تعليق

  1. التحية للشبيبة فى البحرين … للأشدبيين والاشدبيات ولمؤسستكم الشبابية (أشدب) … كم تعلمنا من “الأشادبة” قيم التضامن الرفاقي، والصداقة الأممية في أرقى معانيها السامية … لن تنسي “بحرين تمر بالليل،،، نجمة فى سمانا” و “أوال” وشبيبتكم/ ن تتغني للوطن (البحرين) الذي عرفناه عبركم … عبرك التحايا لكل الأشدبيين والأشدبيات من جيلنا والأجيال اللاحقة … سنظل نفخر بالصدفة الأممية التي جسدتموها لنا فعلاً ، لا قولاً، وما زلنا نذكر بالخير وكل الإمتنان دعمكم لشعبنا السوداني

Comments are closed.