“إن ما تراه أمامك ليس إلا سراباً فقط!”
كانت الرسوم الكارتونية في سنوات الثمانينات من القرن الماضي علامات مميزة ومحفوظة، ليس لجودتها وحسب، بل لقلة التنافس؛ فلم تكن أجهزة (الدش) قد دخلت أسطح المنازل حينها، والمواد الموجَّهة للطفل تنتقى بعناية، وتُعاد مراراً، حتى تصبح إشارة لزمن وتوقيت معينيْن. والمسلسل الكارتوني “عدنان ولينا”، بكل تنبُّؤاته التي قيلت، من مقدمة أول حلقة -ومنها قيام الحرب العالمية الثالثة عام 2008!- وحتى النهاية، تحمل في طياتها غموضاً محبباً قابلاً للتأويل والتفسير، وحتى نظرية المؤامرة. فمن كان يتصور أن يتحوّل مشهد الجد رامي وهو يُري حفيدته لينا وصديقيها عدنان وعبسي مشهداً مقارباً لتقنية الواقع الافتراضي أو الهولوجرام التي أتاحت الفرصة لهؤلاء الصغار للانغماس مع الأشخاص الذين ظهروا، حتى اكتشفوا الوهم عبر جملة الجد المذكورة آنفاً. ومن يصدق أنه عمل مرّ عليه ما يقارب السبعة والأربعين عاماً؟
ولأن الفكرة حق مشاع للكتابة والتجسيد؛ قام مؤلف مسرحي عماني برمي الطعم لقارئه عبر جملة في بداية النص، فالتقطها مخرج مسرحي سعودي، وقدّما معاً “ليلى والدب قيس”، عبر عروض مسرحية قصيرة بمركز إثراء في المملكة العربية السعودية. ووجه الشبه بين ما قيل في المقدمة وبين هذا العرض، هو الخيال: خيال الفنان الذي يستطيع استقراء المستقبل كما لو كان يراه بصورة واقعية أمام عينيه، ولهذا صور متعددة لا حصر لها.
والنص المختار؛ هو ضمن مجموعة النصوص المسرحية “هل أكلت قطاً من قبل؟” صدرت للمؤلف أسامة زايد، صاحب الأفكار الملتبسة في المزاوجة بين الواقعية وبين أحداث أخرى قد تدخل في زمان ومكان لا يشبهان وقت وزمان حدث مسرحيته، في شكل أقرب للغرائبية الموترة!؛ بحيث يستدعي ذكاء القارئ في الربط بين هذا وذاك، في ما يريد المؤلف إيصاله كمضمون، وهذا لا يمنع متعة الإبحار في خيال أن يكون الحدث عابراً للواقع، ولا يندمج معه بالضرورة.
وتشبه العروض المسرحية القصيرة؛ النص القصصي القصير، أو ما يطلق عليه (ق.ق.ج). ذات السِّمات التي تتطلب التركيز والكثافة في الحدث والشخصيات؛ بحيث يخرج المتلقي بخلاصة مشبعة بعد العرض القصير، وعبر فهم ما رمى إليه بوضوح، أو أن يرميه لجهة التأويل بالنهايات المفتوحة. فالمفتتح في العنوان الذي لم يقم المخرج بتغييره، دلالة أولية على إعجابه أو اقتناعه بهذا العنوان الملفت، الذي اتخذ من شخصيتي قيس وليلى موضوعاً، ولكن على نحو مغاير يستدعي المقارنة والتفسير. فاقتران الاسمين بالعاشقين التاريخيين صبّ ظلاله على الشخصيتين؛ قيس الشاعر الذي عاش في القرن الأول بعد الهجرة في البادية، وهام بحبّ ليلاه، ولم تكتمل هذه العاطفة بسبب نبذ العرب لأي علاقة حب يكشفها الناس! وقيس الذي هام بليلى حتى سُمِّي مجنونها، بعد أن قال فيها جميل الشعر، وهو منبوذ عند العرب قديماً، حتى أتى ورد بن محمد وتزوج ليلى، فانتهى قيس للموت، وقد تحوّل لـ”معلم شاورما” محترف عند زايد، محب، لكنه كادح، يقلق من الارتباط السريع بسبب الظروف المادية غير المواتية. أما ليلى، المحبوبة الأيقونة، تبدو في دور المُقادة من قبل قيس، أو والدها، أو حتى المجتمع، قد استلمت القيادة في “الدب قيس” على ما يبدو. ورغم ذلك، لا يعني هذا أنهما قد تخلَّيا عن ارتباطهما ببعضهما، لكنهما يعيشان بيننا في هذا الوقت، وليلى هي التي تحدد مواصفات قيسها.
وثمة التقاطة مهمة، هي قراءة المخرج موسى أبو عبدالله للجملة التي أعقبها المؤلف بعد عنوان النص “هل في الحداثة شيء لنشك فيها؟”، وهي إشارة استهلالية لفهم النص عبر تأويلات متعددة، قرأها المخرج هنا في شكل الحداثة التكنولوجية التي باتت تتحكم في كل نواحي حياتنا، حتى في ما يتعلق بالمشاعر التي تعجز الأجهزة عن تذوقها بالشكل الإنساني، مهما كانت متقنة الصنع. منحت الفرصة للبطلة ليلى التي اختارت أن تتحكم في (ميتا)، مارداً لرغباتها في اختيار “قيسها” المناسب. والرؤية الإخراجية هي التي حددت (ميتا) -وهي كلمة يونانية الأصل تعني ما وراء-، وتستخدم الكلمة للإشارة إلى شيء يتجاوز أو يتعدى ما هو مادي أو ملموس، واستعمالاتها الحالية ذهبت إلى مجال الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي، وهذا ما لم يتطرق له المؤلف بالشكل الذي عرض به، بل هو فهم ضمني للمخرج الذي احتفظ -عن قناعة- بنفس عنوان النص الأصلي الملفت، وبمعظم الحوارات التي وردت في النص، لكن من وجهة نظر المخرج الذي هيّأ اللعبة من البداية تحت إدارة (ميتا) حين تخاطبها ليلى بتغييرات تستجاب لها فوراً، منها ما هو متعلق بالسينوغرافيا التي جاءت متسقة مع توجيهات الشخصية، إضاءة/ إنارة/ وتغيير ديكور لتتبدل الحالة والمكان.
عمل النص على بيان التناقض بين الشخصيتين المعاصرتين بالقدر الذي يجرّ السؤال: كيف لنقيض أن يحب نقيضه؟ تستمد ليلى من شخصية ليلى قيس الشاعرية، ولو أنها هنا شاعرية ممطوطة، مقتبسة من مشاهدات وقصص خيالية مقروءة، أحلامها لا تمت بصلة للواقع. فهي تريد الهروب ولا تملك مسوِّغاً حقيقياً واضحاً يمنع زيجتهما، وتتمنى الهروب في عربة محملة بالقش بأيدٍ متشابكة معه، وهما ينظران للنجوم الساطعة في السماء! أو أن يفتعلا مشكلة حتى يسجنا في برج قديم، فتنزله هي من النافذة الصغيرة بشعرها الطويل ليرجع وينقذها على غرار الأميرة الضائعة (رابنزل) بطلة ديزني الكارتونية. أما قيس الذي يتمنى أن “تخف اكتظاظ المعاناة في عقله”، فهو مستمع جيد وحالم أيضاً! لكن حلمه يتلخص في أن تنتهي حبيبته من حديثها المفرط في الرومانسية، حتى يبدآ في التهام الشاورما التي أعدها بنفسه خصيصاً لهذا اللقاء!
واختيار الشاورما بوصفه طعاماً سريعاً، وسعره في متناول أمثال قيس الذين يعملون بوظيفتين وأكثر في سبيل سد الاحتياجات الرئيسية في الحياة، وتبقى أحلامهم النوم في الإجازة فقط، هو معادل موضوعي لمفهوم التناقض بين الشخصيتين، البالغتين في الوهم والمكروبتين في الواقع، وليس الشاورما فقط. بل عندما تزيد ليلى في الإلحاح عليه للارتباط والزواج، يفضي لها أنه لم يأخذ من قيس إلا اسمه؛ فلا هو بدوي، ولا عنده حصان يجوب البيداء به، ولا يجيد الشعر، ويفضل الراب عليه[1]! وتوظيف فن الراب تحديداً في هذه المواجهة لتوضيح الفارق بين ثقل الشعر الموزون الملتزم بالقافية ومعاني الكلمات، وبين الراب المتحرر من اللحن المتوازن أو الطروب، مع ترديد الكلمات والتلاعب بالألفاظ، وغالباً ما يعبر مغني الراب عن وصف معاناته الشخصية أو معاناة تعبر عن مجتمعه وقسوة الحياة عليهم. وتتفجر مواهب قيس حين نعتته ليلى بـ”الدب” الذي لا هَمّ له إلا الأكل! حتى غنى لها: “معلم شاورما وين أروح؟ هذي الدنيا عطتني جروح/ طبعي شاطر ودايم جوعان/ خربت الدايت مو ندمان/ مغرم ليلى أنا عاشق حزين/ قطت علي وقالت متين/ شعوري ثقيل أبد ما هو عابر/ والله أحبها وماقدر أكابر/ أنا عاشق ليلى أنا مغرم ليلى/ حيران طول ليلي سهران/ ترى أنا إنسان وعندي قلب وضمير/ مجروح وصوتي أنا مبحوح/ خايف حبيبي يروح/ وأبقي بهالدنيا وحيد”.
قد لا تكون الأغنية التي أداها قيس أغنية راب كما ينبغي، لكنها صادقة من عمق معاناته، والأهم أنها لاقت تجاوباً جماهيرياً ملفتاً لأداء الفنان البحريني عقيل الماجد الذي يطور أداءه في كل عرض مسرحي، بذكاء يلتف على وزنه الزائد -والذي وُظِّف هنا بطريقة صحيحة-، عدا أنه يشغل كل طاقاته في سبيل خلق روح من الشخصية التي يجسدها، واهتمامه بالتفاصيل، والإخلاص لها يجعل قبوله الجماهيري أكثر، حتى عند متلقين جدد لا يعرفون مهاراته -وقد شهدتها بنفسي مرتين على الأقل-، وهذه المهارة تمكنه من تنوع أدواره دون نمطية في الأداء.
وعلى نحو موازٍ؛ يتحقق اقتراح الباحث والمؤرخ المصري د. سيد علي إسماعيل في ورقة عن “المسرح السعودي بين التخصص والخصوصية”[2] عن حل معضلة مشاركة المرأة في المسرح السعودي -قبل مرحلة الانفتاح الحالية- في أن تأخذ دورها المطلوب في إقامة مهرجان الخليج المسرحي التابع للجنة الدائمة للفرق الأهلية المسرحية، والذي يقام كل سنتين في دولة خليجية، حتى تكون هناك مشاركة طبيعية للمرأة السعودية في مختلف الفعاليات والأنشطة المرتبطة بالمسرح، حتى تأتي الأمور بشكل طبيعي لاحقاً. وهذا الاقتراح في البحث المذكور كان يعد ضرباً من الخيال وقتها، لكن الأقدار وهبت أكثر مما كان الطموح، وشاهد المتلقي السعودي والخليجي العنصر النسائي السعودي على الخشبة وخارجها. ومن نتاج هذه العناصر: الممثلة إلهام علوي التي تبدو في أحسن أحوالها مقارنة بما فات، عدا أنه عنصر مطلوب ومرغوب ليكون المسرح السعودي في كامل صحته بأبنائه وبناته المتخصصين في المسرح ومحبيه.
وعودة إلى تمازج النص بالعرض، يختار المؤلف أن يتخلى قيس عن ليلى بعد أن ضاق بها ذرعاً، وتعيش هي الندم والبؤس، بينما يرى المخرج أن يُفعِّل (ميتا) أكثر حسب فهمه الذي أضاف للنص قيمة، عبر استغلال الرؤية المتقدمة للوضع، وأن شعور الندم يمكن تعويضه عبر اختيار قيس جديد بمواصفات دقيقة كما ينبغي، لتبدأ قصة حب جديدة كلما احتاجت للتغيير. لكنه، كما قال جد لينا المذعورة من التقنيات المتقدمة جداً على وقتها: “سراب”!
[1] زايد، أسامة، هل أكلت قطاً من قبل؟ الهيئة العربية للمسرح، مؤسسة اللبان للنشر،2023م، ص39.
[2] الجمعان، سامي، في المسرح السعودي دراسات نقدية، جامعة الملك سعود، وكالة الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي، برنامج كراسي البحث، سلسلة مختارات الأدب السعودي، ص300.


