فقدت الساحة الأدبية والثقافية في مصر والعالم العربي الروائي الكبير صنع الله إبراهيم، الذي انخرط منذ شبابه في النشاط السياسي اليساري، وانضمّ إلى الحركة الشيوعية المصرية، ما أدّى إلى اعتقاله لسنوات في عهد الرئيس جمال عبد الناصر. وتركت هذه التجربة أثرًا عميقًا في حياته وأدبه، وظهرت بجلاء في روايته الأولى “تلك الرائحة” الصادرة في العام 1966، وتناول فيها تجربة السجن وما بعدها، بأسلوب واقعي جريء.
وتعاقب بعدها إصدار صنع الله لرواياته، ومن بينها: “اللجنة” الناقدة للفساد، “بيروت بيروت” التي تدور أحداثها حول الحرب الأهلية اللبنانية من منظور مثقف مصري، “ذات” التي رصد فيها التحولات المصرية منذ السبعينيات وحتى التسعينيات، “شرف” وتناول فيها قضايا السجون، السلطة، والعنف، عبر شخصية سجين اسمه شرف، “العمامة والقبعة”، وفيها عاد إلى عصر الحملة الفرنسية على مصر برؤية موازية للحاض، و”الجليد” التي تناول فيها التحولات في روسيا، التي درس السينما فيها، و”وردة” التي تدور حول الثورة المسلحة في ظفار، “أمريكانلي” التي يمكن أن تقرأ “أمري كان لي” وتسجل تجربة أستاذ تاريخ مصري في جامعة أميركية.
يُعتبر صنع الله إبراهيم رائد الرواية التوثيقية العربية، وقد ترك أثرًا بالغًا في أجيال من الكُتّاب الشباب الذين رأوا في تجربته مثالاً على التزام المثقف بقضايا مجتمعه دون التخلي عن المغامرة الفنية، حيث يتسم مشروعه بالتوثيق داخل السرد الروائي، فيوظف الأخبار الصحفية، الوثائق الرسمية، والإحصاءات داخل النص، كما تجلى في رواياته “اللجنة” و”ذات” و”العمامة والقبعة”، ومن هذا التداخل بين الوثيقة والخيال الروائي يخلق صنع الله نصًا متشابكًا يربط الخاص بالعام، كاسراً الشكل التقليدي للرواية، عبر تعدّد الأصوات، وإدخال النصوص غير الأدبية، ومراوحة السرد بين الذاتي والجماعي.
تبدو روايات صنع الله أشبه بمساءلة للسلطة والمجتمع، ففي رواية “اللجنة” قدّم نقدًا ساخرًا لبيروقراطية الدولة، وفي “ذات” كشف التحولات الاقتصادية والاجتماعية عبر حياة امرأة عادية في ظل الانفتاح الاقتصاد، كما تظهر هذه الروايات إنحيازه للمهمّشين، فأبطاله غالبًا من البسطاء، ومن خلالهم يكشف التفاوتات الطبقية والاقتصادية.
لا ينفصل أدب صنع الله إبراهيم عن مواقفه السياسية، هو الذي ظلّ وفيًا لقضايا الحرية والديمقراطية، وناقدًا لخيارات الانفتاح الاقتصادي والفساد السياسي، فكان مضمون رواياته متسقاً مع مواقفه السياسية الشجاعة، منحازاً إلى الحقيقة مهما كانت مُرّة، ومهما كان ثمن هذا الانحياز مكلفاً، وسجل التاريخ الادبي رفضه لجائزة الدولة التقديرية للرواية في العام 2003، لأنّه رأى أنّ قبوله لها ينطوي على تناقض مع مواقفه السياسية المعلنة، رغم معرفته بأنّ اللجنة التي رشحته لنيل الجائزة تضم في عضويتها عدداً من أبرز وألمع النقاد العرب، في طليعتهم أستاذه ورفيقه في السجن محمود أمين العالم.
فما أن أعلنت اللجنة المحكمة اسم صنع الله كفائز بالجائزة، يومها، حتى ضجّت القاعة بالتصفيق تعبيراً عن شعور الحاضرين بأنّ الجائزة ذهبت حيث يجب أن تذهب، للشخص الذي يستحقها، تقديراً له كروائي جعل من الرواية شهادة بانورامية على التحوّلات العميقة في البنيان الاجتماعي – الاقتصادي في مصر وفي البلاد العربية وكشاهد إثباتٍ ضد التشوهات التي لحقت بذهنية المواطن العربي وزيّفت وعيه، وما أن فرغ صنع الله من إلقاء كلمته بهذه المناسبة معلناً في نهايتها رفضه لتسلم الجائزة حتى ضجّت القاعة نفسها بالتصفيق مرة أخرى، فالجمهور الذي صفّق للجائزة وهي تذهب لمن يستحقها، هو نفسه الذي أعاد التصفيق لهذا الرجل الذي استحقّ الجائزة لكنه رفض تسلمها في بادرة احتجاجية واضحة الدلالة.
في كلمته قال صنع الله إبراهيم وهو يتحدث عن اختياره لنيل الجائزة، “إنّ هذا الاختيار يثبت أن العمل الجاد المثابر يجد التقدير المناسب دون ما حاجة إلى علاقات عامة أو تنازلات مبدئية أو مداهنة للمؤسسة الرسمية التي حرصتُ دائماً على الابتعاد عنها”. وقال أيضاً: “إنّه قدر الكاتب العربي، فليس بوسعه أن يتجاهل ما يجري من حوله، وأن يغضّ الطرف عن المهانة التي تتعرض لها الأمة من المحيط إلى الخليج، عن القهر والفساد، عن العربدة الإسرائيلية والاحتلال الأمريكي، والتواطؤ المزري في كل ما يحدث”.
الناقدة العراقية فريال زغلول التي كانت في قوام اللجنة التي قررت منح الجائزة لصنع الله إبراهيم، مالت هامسةً على زميلٍ لها، عضو هو الآخر في اللجنة، قبيل أن يعلن صنع الله موقفه، متسائلة: هل سيكون مناسباً أن يقبل الجائزة وهو الذي رفض المشاركة في مؤتمر عن الرواية العربية في المغرب، لأنّه تزامن مع لقاء رسمي مع وزير الخارجية الإسرائيلي؟، وما كادت تنهي همسها حتى أعلن صنع الله اعتذاره عن قبول الجائزة. فيما بعد كتبت مُكبرة موقفه الذي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية، وحتى أشدّ المعارضين لموقف صنع الله لم يملكوا سوى القول: إنّه من حق كل أديب أن يرفض جائزة تُمنح له تعبيراً عن موقف وقناعة يتمسك بهما.
لو أنّ صنع الله قبل الجائزة، لما كان هناك لغط كبير سيثار. سيقال إنّه يستحقّها وسينتهي الأمر. لكن رفضه لها خلق حدثاً ثقافياً أعاد إلى الواجهة النقاش العميق، غير الجديد، عن العلاقة المعقدة الملتبسة بين الأدب والسياسة، وتقدّم سيرة وأدب صنع الله إبراهيم نموذجاً للمثقف العضوي الذي دمج بين إبداعه الأدبي وموقفه الفكري والسياسي، لذلك سيظل اسمه حاضرًا بقوّة في تاريخ الرواية العربية الحديثة، ليس لإبداعه المتميّز، ولكونه رمزاً للكتابة الجريئة فقط، وإنما أيضاً بسبب اتساق ما يفعله مع ما يكتبه ويقوله.


