مهرجان في بوليفيا ينتصر للأرض الأم

0
39

تحتفل الشعوب الأصلية في أمريكا اللاتنية خلال شهري أغسطس وسبتمر من كل عام بيوم “لا باتشا ماما” الذي يعني  يوم الأم الأرض، ومن بين كل بلدان أمريكا اللاتينية فإن لدولة بوليفيا علاقة إستثنائية بالأرض، فلولا القرابين التي يقدّمها الشعب البوليفي كل دقيقة من اليوم على مدار السنوات والقرون لابتلعت الأرض سكانها غضباً. هذا ليس رأيي أنا فقط، بل رأي كل زائر لدولة بوليفيا، فمنذ اللحظة  الأولى التي تطأ فيها أقدامه هذا البلد سيدرك مدى قدسية الأم الأرض وحرص الشعب البوليفي على إرضائها.

لكن لماذا بوليفيا وحدها دون عن باقي  الكوكب؟

بوليفيا هي الدولة اللاتينية ذات النسبة الأكبر من  السكان الأصلين، حيث يشكّل  شعوب الأنديز 95 % من مجمل سكانها، وفيها أكثر من 37 لغة رسمية بالإضافة للغة الإسبانية، وتتكون من شعوب مختلفة الأعراق تلتقي جميعها في أصولها الأنديزية، وتفخر بهذا الأصل القديم، وتظهر هذا الفخر في كل العادات اليومية التي يعود أصلها للمعتقدات القديمة. ومن هذه المعتقدات قوية الحضور في بوليفيا هو الخوف من غضب الأم الأرض وضرورة  تقديم القرابين للاباتشاماما قبل كل خطوة وفكرة ومشروع جديد، وتتفاوت هذه القرابين ما بين المتطرف والرمزي، فعلى سبيل المثال وتوثيقاً للحقيقة إذا أراد أحدهم بناء بيت في بوليفيا فإن الخرائط الهندسية تتضمن فجوة لازمة لا تتضمنها أي خريطة هندسية في أية بقعة أخرى من العالم، حفرة مربعة يدفن فيها قربان للام الأرض حتى يكتمل البناء على خير، وينهي العمال المبنى بسلام دون حوادث ولحفظ البيت من الإنهيار.

يختلف قربان البيت العائلي عن العمائر والمنشآت ذات الطوابق والأقسام المتعددة، فبينما يتكون قربان البيت العادي من أوراق الكوكا المخدرة و مكعبات السكر وأجنة الماعز الميتة المجففة وبعض القطع والأوراق المالية، نجد أن قربان العمائر والمنشآت الكبيرة يتكون من أجساد السكارى الأحياء التي تدفن في تلك الفجوة المربعة قربانا للاباتشاماما بدلاً عن  جنين الماعز الميت المجفف وغيرها، ورغم قسوة هذه الممارسة إلا أنها حيّة في بوليفيا ولم تفلح السلطات في قمعها حتى هذه اللحظة، وتتحدث الكثيرمن التقارير والتحقيقات بشكل يومي عن إختفاء السكارى والمدمنين فاقدي الوعي من على قارعة الطرقات بصورٍ غامضة بل في أحيان كثيرة يتناولها الشباب كمواضيع للمزاح  على وسائل التواصل.

وقرابين الأم الأرض منتشرة في كل مناحي الحياة في بوليفيا؛ عمال المناجم يحملون علب البيرة والسيجار وأوراق الكوكا معهم كل صباح ليضعوها قرباناً للأم الأرض على مداخل المناجم، ربّات البيوت يقدّمن القرابين، ومثلهم يفعل طلاب المدارس، الموظفون الحكوميون، التجار، المزارعون.

بوليفيا بلد متفرد على كافة الأصعدة فهو يقع في أعلى مستوى للأرض عن مستوى البحر، عاصمته الادارية “لا باز” هي أعلى عواصم العالم، تربط بين أنحاءها أطول شبكة “تليفريك” للنقل العام وأكثرها تفرعاً وإنتشاراً، تحتوي العاصمة على مظاهر أيقونية يلاحظها مستخدم “التليفريك” لا توجد في غيرها من العالم، أكثرها شهرة هي مباني “الشوليتس”، التي تتكون من عدة طوابق تحتوي على محلات تجارية في الطابق الأسفل وكازينوهات ليلية في الطوابق الوسطى وشاليه سكني خاص بصاحب المبنى في أعلى طابق. وتتميز هذه المباني بالبناء الفني المستوحى من أشكال الآلهة القديمة لشعوب الإنديز ورسومات المعابد والألوان التي تقدّس وترمز للأم الأرض .. أول من إبتكرها مهندس من شعوب الإنكا يسمى فريدي مامامي لتكون مظهراً لفخر الشعوب البوليفية بأصولها الإنديزية في العاصمة ويراها كل زائر للبلاد.

غالبية أصحاب مباني الشوليتس هذه جاءوا من المقاطعات البعيدة والقرى النائية مهاجرين بسطاء، لكنهم سرعان ما غزوا المدينة بأعمالهم الناجحة والثراء الناجم عنها، فبنوا الشوليتس فخرا بالعمل الدؤوب الذي حقق لهم هذا النجاح، واعترافاً بأوصولهم وإنتمائهم للاقاليم والبقاع النائية وتخليد تعبر عن امتنانهم للاباتشاماما لمباركتها أعمالهم، وتحمل تسمية “شوليتس” في مقاطعها كلمة شولو والتي تطلق في بوليفيا على القادم للعاصمة والمدن الكبيرة من أهل القرى والجبال والمقاطعات البعيدة.

بالإضافة إلى الشوليتس توجد الشوليتاس، والمقصود بها النساء اللواتي يرتدين الزي التقليدي لقبائل الإنكا ولهن حكاية لا تقل دهشة وإلهاماً وروحانية عن كل ما تتفرد به وتتميز بوليفيا، فالشوليتاس  نساء  إقتحمن كل مجالات العمل حتى تلك التي كانت حكراً على الرجال ومارسن كل أنواع الرياضات لكنهن تميزن برياضة المصارعة النسائية التي يذهب ريعها الى  باتشاماما وقضايا البيئة، وتحظى الشوليتاس بإحترام  وتقدير كبيرين في بوليفيا وشهرة واسعة في أنحاء القارة اللاتينية والعالم فهن يتقدمن الوفد الحكومي البوليفي في قمم الأرض ومؤتمرات البيئة والتغيّر المناخي، يحملن قضايا سكان غابات الأمازون وجبال الأنديز في المحافل الدولية ويحافظن على نقل المعتقدات الروحانية والموروثات البيئية للأجيال والنشء الجديد، فأصبحن الصوت المسموع  لاباتشاماما الأم الأرض. 

وللشباب في بوليفيا حضور لا يقل إدهاشاً عن كل ماتتفرد به هذه البلد،  في مبادرة فريدة من نوعها إجتمع كل صنّاع المحتوى من الشباب على منصات التواصل الإجتماعي في منصة واحدة أطلق عليها إسم “الأمة العظيمة” للإعلان عن “كرنفال أورورو”، والذي يقام كل عام في مدينة أورورو خلال شهري فبراير ومارس، وتشارك فيه فرق شبابية من كل مقاطعات بوليفيا بالإستعراضات بالألبسة والرقص والأطعمة التقليدية لكل شعوبها وقبائلها. وتهدف المنصة لدعوة صنّاع المحتوى من كل العالم لحضور الكرنفال وتصوير فعالياته ونشرها على موقع “يوتيوب” لتوثيق هذا الكرنفال القديم  الذي يفخر بالأسطورة  البوليفية الشهيرة التي واجهت فيها فتاة حسناء من سكان الجبال غضب الإله أورلي على سكان أورورو بسبب تقديسهم للأم الأرض وإنتصرت عليه لتصبح رمزاً لإنتصار الخير على الشر.

 نجح شباب منصة الأمة العظيمة في تحقيق هدفهم في الترويج لكرنفال أورورو الذي أعلنته اليونيسكو في العام 2001 من ضمن التراث الإنساني غير المادي، وأظهرت إستطلاعات الرأي في السنوات الأخيرة أنه تفوق على كرنفال الريو دي جانيرو البرازيلي في جودة وروعة التنظيم وإثارة أعجاب وجذب السائح الأجنبي. 

والآن بعد كل ما ذكرته هنا، ألا تتفق معي عزيزي القارئ أن القرابين اليومية التي يقدّمها شعب بوليفيا إرضاءً للأرض كي لا تنشقّ وتبتلع سكانها غضباً، يشكل ردّا فطرياً مبكراً على ما ينفذه الرأسمال العالمي البشع من صناعات حربية وكيميائية وقطع للغابات، وتحذيراً مستمراً من الكوارث التي تهدد الحياة على كوكبنا؟