على مدى سنواتٍ طوال كان المثقفون هم الأشخاص الذين يؤدون مهاماً خدمية للمجتمع كالمعلم والطبيب ورجل الدين، ثمّ تطور الحال وانضمّ إلى فئة المثقفين جماعة من الارستقراطيين/البرجوازيين الذين أسسوا فكراً جديداً سيعرف فيما بعد بالليبرالية وكانوا يمثلون المدينة، ولقلة عملهم الوظيفي المهني لاعتمادهم على الإقطاع وثرائهم توفرت لديهم الفرصة السانحة ليمارسوا تأملاتهم الثقافية والفلسفية ومختلف الفنون، ولكن مع ذلك فقد نشأت في الأرياف ومن بين الفلاحين المنهكين بالعمل الشاق فئة ثقافية بالتوازي مع تلك البرجوازية، وكانت النواة التي شكّلت بذرة تخلخل السيطرة البرجوازية الاستبدادية والإقطاع. وفي العصر الحديث ستحصل طفرة في أعداد المثقفين بسبب الأنظمة البيروقراطية التي ستكثر فيها الوظائف ذات الطابع الثقافي واختلاف اسلوب الحياة والعمل، وستنشأ حركات ثقافية متنوعة منها من سيخرج من المصانع ومنها من سيخرج من الأرياف.
يُميّز غرامشي بين فئتين من المثقفين؛ مثقفي المدن ومثقفي الأرياف من ناحية المواقف والعلاقات والسلوك الثقافي، ويرى أن مثقفي المدن ينمون بنمو المصانع وكانوا قد ارتبطوا بثرواتها، ومهمتهم تتمثل في تحقيق ترابط بين المنظومة الإقتصاد/سياسية والكتلة الجماهيرية الأساسية (الطبقة الوسطى)، وهم يتبعون ويلتزمون بتنفيذ خطط الإنتاج التي يحددها أصحاب المصانع التجار من غير المثقفين. يقول غرامشي: “يمكن القول بأن مثقفي المدينة العاديين نمطيّون للغاية. في حين أن كبار مثقفيها يرتبطون أكثر فأكثر بالمسؤولين العاميين.” وهم بالمجمل أكثر اعتماداً على الرأسمالية لارتباطهم بالتجار البرجوازيين.
أما الفئة الثانية فهم مثقفو الريف أو “المثقفون التقليديون” بمعنى أنهم مرتبطون ارتباطاً عضوياً بالكتلة الاجتماعية لأهل الريف أو البرجوازية الصغيرة في المدن الريفية التي لا يسيطر عليها النظام الرأسمالي سيطرة كاملة. ويشكّل هذا النوع من المثقفين الرابط بين جماهير الفلاحين والإدارة المحلية والدولة، منهم رجل الدين/الكاهن، المحامي، كاتب العدل، المعلم، الطبيب…الخ، وبسبب هذا النشاط أصبحت لهذه الفئة من المثقفين وظائف سياسية/اجتماعية مهمة لأنه يصعب فصل الوساطة المهنية عن السياسية. يقول غرامشي:” في الريف يتمتع المثقف على مستوى أعلى أو على الأقل مستوى معيشة مختلف عن مستوى معيشة الفلاحيين العاديين، وبالتالي يمثل النموذج الاجتماعي للفلاح الذي يتطلع إليه في طموحه في الهروب من حالته أو تحسينها… ويحلم الفلاح دائماً لأن يصبح واحداً من أبنائه على الأقل مثقفاً (بخاصة كاهناً) وبالتالي يصبح نبيلاً ويرفع من المستوى الاجتماعي للأسرة… “والمثقف ابن البيئة التي خرج منها وبقي مدافعاً عنها وعن حقوقها هو نفسه غرامشي الذي كان ينتمي الى هذه الفئة المكافحة.
على أن غرامشي يحاول من خلال حديثه عن دور المثقف والتعليم، العمل على تأسيس فئة مثقفة جديدة هي مزيج من المدن والأرياف تتماشى مع الواقع الصناعي والحركة التكنولوجية التي قللت الفوارق كثيراً بين الناس عن السابق. سوف تعرف هذه الفئة بمثقفي الطبقة العاملة التي سيهتم بها غرامشي كثيراً بحيث كانت حياته عبارة عن مرحلة تكوين مثل هذا المثقف.
كان دور التربية والتعليم في غاية الأهمية لنجاح العملية الديالكتيكية لنشوء هذه الطبقة الجديدة فالقضية التعليمية في رأي غرامشي ليست قضية المناهج وحدها بل قضية البشر نفسهم من ناحية سعيهم للمعرفة وتطويرها ذاتياً، وليست قضية الأفراد وحدهم بل المجتمع بأكمله الذي يعبرون عنه ويعبر عنهم هذا التداخل والتكامل. قد يستخرج من داخل المجتمع ومن ذات هويته طبقة مثقفة لا تقتصر فقط على المعلمين والأطباء والكهنة والبرجوازيين كما هو الحال في الحالات السابقة إنما طبقة مثقفة من العمال والشغيلة والحرفيين…الخ. وتشكّل هذه الإشارة الى المستقبل الذي ينتج مثقفين من الطبقة العاملة (المثقف العضوي) أمراً حاسماً في فكر غرامشي لأنها المنظور الثوري الذي سوف يبني عليه تحليله بالكامل.
هل التعليم المدرسي الحالي والتأسيس الاجتماعي للأفراد قادر على تكوين المثقف العضوي عند الأجيال الحديثة؟ الواقع أنه بسبب سيطرة العولمة الرأسمالية الاستهلاكية أصبح دور التعليم بدل تنشئة المثقف العضوي يقتصر فقط على تأهيل الأجيال لسوق العمل لأنه السبيل الوحيد لتحصيل مرتب مالي يستطيع من خلاله الفرد الكسب وعيش حياة استهلاكية مقنعة، وواقع الحال أن الحياة اليوم لاتستقيم إلا بهذا الشكل. وأصبح المثقف يمارس الثقافة وهو مرتبط بأعمال وظيفية أخرى لا صلة لها بالثقافة أحياناً كثيرة، إذ هو مثقف مطلع على النصوص الثقافية والعلوم السياسية والفلسفية ويمارس في ذات الوقت مهنة الميكانيكي أو الكهربائي…الخ من المهن المستحدثة. طبقة العمال المثقفة انحسرت كثيراً بل إن الثقافة الحقيقية بكاملها قد انحسرت بعد أن كانت واسعة وكبيرة لانشغال الناس بالعمل الآلي والإلكتروني والتكسب من أجل العيش فصارت الثقافة في الغالب أمراً شكلياً وهذه واحدة من مساوىء العولمة الرأسمالية التي تمضي في طورها الأخير.
أتساءل أين المثقف المهتم بالقضايا الإنسانية والأخلاقية الكبرى، المثقف الحرّ المسؤول، مثقف ادوارد سعيد المشتبك و مثقف غرامشي العضوي، لعلك تجد إجابات مقنعة اذا ما دققت النظر في دور التربية والتعليم ونمط الحياة.


