العمل اللائق… بفرص عمل للجميع وبأجور عادلة

0
87

تُعرّف منظمة العمل الدولية مفهوم “العمل اللائق” بأنه تعزيز الفرص للنساء والرجال للحصول على عمل لائق ومنتج في ظروف من الحرية والإنصاف والأمن والكرامة الإنسانية، وذلك وفق تقرير الأمين العام لمنظمة العمل الدولية خوان سوموفيا عام 1999. ومن أهم ركائز هذا المفهوم توفير فرص عمل بأجر يؤمن معيشة كريمة للعامل وأسرته، إضافة إلى تأمين حماية اجتماعية، وتعزيز الحوار بين الشركاء الاجتماعيين، والالتزام بالمعايير والمبادئ والحقوق الأساسية في العمل، والتي تشمل القضاء على جميع أشكال العمل الجبري، وعمل الأطفال، والتمييز في الاستخدام والمهنة.

هذا التعريف يتقاطع مع ما نص عليه الهدف الثامن من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، الذي يدعو إلى تعزيز النمو الاقتصادي المستدام والشامل، وتوفير عمالة كاملة ومنتجة، وإيجاد عمل لائق للجميع. كما يسعى إلى تحسين الإنتاجية الاقتصادية، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال، ومكافحة العمل القسري والاتجار بالبشر.

من هنا، يصبح ضمان فرص عمل تحقق دخلاً عادلاً، وتوفر الأمن في مكان العمل، والحماية الاجتماعية للمواطنين، وتكفل مستقبلاً أفضل لتطوير الذات والاندماج الاجتماعي، مهمة أساسية يتوجب على الدولة الاضطلاع بها لجميع مواطنيها وفي مختلف القطاعات.

لكن عند مراجعة مستوى الأجور في البحرين مقابل تكاليف المعيشة المتنامية، نجد أن هذه الركيزة غير متوافرة لقطاع كبير من المواطنين، خصوصاً العاملين في القطاع الخاص. ورغم ما تؤمنه أو تساهم به أنظمة الحماية المختلفة، وفي مقدمتها برامج “تمكين” التي دعمت عشرات الآلاف من العاملين في هذا القطاع على مدى نحو عشرين عاماً، إلا أن الواقع يكشف عن اختلالات تتطلب مواجهة ومعالجة موضوعية.

فالدعم الذي تقدمه “تمكين”، رغم أهميته واستمراره في الغالب لثلاث سنوات، لم ينجح في توفير فرص عمل مستدامة، بل غالباً ما يتم تسريح العاملين مع اقتراب انتهاء فترة الدعم، ليعود هؤلاء إلى البطالة ومصاعبها. في المقابل، يعمد بعض أصحاب الأعمال إلى تشغيل آخرين من جديد طمعاً في استمرار الدعم دون تحمل أي مسؤولية. والمفارقة أن بعض هؤلاء، ومعهم عدد من أعضاء السلطة التشريعية، يطالبون بزيادة هذا الدعم بدلاً من إصلاح الخلل، ناهيك عن عمليات التحايل التي كشفتها التحقيقات النيابية والقضاء في الفترة الأخيرة.

لقد أثبتت سياسات دعم الأجور قصورها في تأمين فرص عمل مستدامة وبأجور عادلة، ما يستدعي التفكير في بدائل أكثر جدية وعملية. وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من معايير العمل الدولية، كما فعلت معظم دول العالم، ومن بينها مصر وتونس والأردن، حين أقرّت تشريعات للحد الأدنى للأجور وتوحيده بين القطاعات دون تمييز.

ترك الأجور لما يسمى قوى السوق – أي العرض والطلب – كما هو حاصل الآن، يجعل العمل سلعة تحدد قيمتها بقدر الأرباح التي يسعى إليها أصحاب الأعمال. وما يتبع ذلك من إجراءات لخفض التكاليف، بما فيها خفض أجور العمال ومنافعهم إلى مستويات متدنية، يفاقمه غياب تشريع ملزم يضمن حداً أدنى للأجور يتناسب مع تكاليف المعيشة المتصاعدة. وبدون هذا التشريع، تتآكل القدرة الشرائية للأجور الحقيقية، ويُحرَم العامل من معيشة كريمة، ويتحول العمل إلى مجرد سلعة بلا قيمة اجتماعية، مع ما يترتب على ذلك من تبعات تهدد الاستقرار الاجتماعي وتعمّق الفجوة بين الطبقات، وتضعف الحوافز على الإنتاجية.

إن الحد الأدنى للأجور يشكل ضمانة أساسية لحصول كل عامل على دخل معقول يحول بينه وبين الفقر، ويحمي حقوق العمال، ويعزز الاستقرار الوظيفي، ويحد من البطالة والفصل التعسفي والتدوير الوظيفي. كما يساهم في تضييق فجوة الدخل بين المواطنين، ويدعم أنظمة الحماية الاجتماعية الرسمية والأهلية، بما يخفف من وطأة الفقر والتفاوت الاجتماعي، ويحقق العدالة الاجتماعية.

ختاماً، وفي ظل توجه البحرين – كما نصت أكثر من خطة عمل حكومية – إلى جعل القطاع الخاص المحرك الأساسي للاقتصاد، وتقليص حجم القطاع الحكومي عبر الخصخصة أو التشغيل من الباطن (Outsourcing)، يصبح من غير المنطقي إقناع المواطنين بالتوجه إلى العمل في القطاع الخاص من دون توفير أجور وضروف عمل لائقة ومساوية لما هو معمول به في القطاع الحكومي. فكيف يمكن أن يكون القطاع الخاص قاطرة الاقتصاد، وهو اليوم يعاني من أجور متدنية، وفرص عمل غير مستدامة، وغياب استقرار وظيفي وتطور مهني، إضافة إلى اعتماده شبه الكلي على الدعم الحكومي من دون خطة واضحة لفطامه أو إلزامه بمسؤولياته الاجتماعية